...
IMG 20260908 WA0001

 

 

الكاتبة سارة أسامة النجار

 

من أنا عندما تسقط الصورة التي صنعتها عن نفسي؟

 

1. قصة

 

في الأسابيع الأولى بعد أن فقدت كل ما اعتدت عليه، لم يكن أصعب شيء هو غياب البيت أو العمل أو الأمان.

كان الأصعب هو أنني لم أعد أعرف من أنا بدونهم.

 

طوال سنوات، كنت أعرف نفسي من خلال أشياء واضحة: أنا التي عندها بيت مرتب، أنا التي عندها وظيفة ثابتة، أنا القوية التي تساعد الجميع ولا تنهار.

وفجأة، سقطت كل هذه الصور دفعة واحدة.

 

وفي تلك اللحظة، سألت نفسي سؤالًا لم أفكر فيه من قبل بجدية:

إذا سقطت كل الصور التي بنيتها عن نفسي… من أنا فعلًا تحتها؟

 

2. الفكرة

 

كثيرون يظنون أن الحل هو «اكتشاف الذات من جديد»، كأننا نبدأ من صفحة بيضاء تمامًا.

 

لكن ما اكتشفته أنا هو عكس ذلك تمامًا:

 

ربما لا تحتاج إلى أن تكتشف نفسك من جديد، بقدر ما تحتاج إلى أن تتخلص من بعض القصص التي صدقتها عن نفسك.

 

نحن لا نولد ونحن نصدق أننا «غير كافيين»، أو أننا «دائمًا نتأخر»، أو أننا «لسنا من النوع الذي ينجح». هذه قصص تجمعت بمرور الوقت، من كلمة قالها أحدهم، أو موقف فشلنا فيه مرة، أو مقارنة لم تكن منصفة أصلًا.

 

ثم كررناها على أنفسنا حتى صدقناها، وحتى نسينا أنها مجرد قصة، لا حقيقة.

 

المهمة إذن ليست بناء إنسان جديد كليًا. المهمة أن نجلس مع الشخص الذي أمامنا، ونبدأ نفرز: أيُّ هذه القصص حقيقية فعلًا، وأيُّها مجرد صوت قديم لم نعد بحاجة إليه؟

 

3. لنفكر قليلًا

 

من أكثر الأفكار شيوعًا: أن «معرفة النفس» تعني اكتشاف موهبة خفية، أو شغف نائم، أو «الذات الحقيقية» التي كانت تنتظرنا طوال الوقت في مكان ما.

 

لكن في الغالب، معرفة النفس أبسط وأصعب من ذلك في آن واحد:

 

هي أن تلاحظ الجملة التي تقولها لنفسك يوميًا دون انتباه: «أنا دائمًا هكذا»، «أنا لا أستطيع»، «هذا ليس لي».

 

ثم تسأل: هل هذه حقيقة عني، أم مجرد قصة تعلمتها؟

 

وهنا الفرق المهم: القصة يمكن أن تُعاد كتابتها. الحقيقة لا.

 

معظم ما نظنه «طبيعتنا الثابتة» هو في الواقع قصة قابلة لإعادة الكتابة، لو سمحنا لأنفسنا بذلك.

 

4. جرّب هذا

 

تمرين اليوم بسيط، لكنه يحتاج صدقًا مع نفسك.

 

خذ ورقة، واكتب ثلاث جمل تقولها عن نفسك بشكل متكرر. مثل:

 

«أنا شخص لا يلتزم»، أو «أنا دائمًا متأخر»، أو «أنا لست جيدًا في هذا».

 

أمام كل جملة، اسأل:

 

من أين جاءت هذه الجملة أول مرة؟

 

هل هي حقيقة ثابتة، أم حدثت مرة أو مرتين وتحولت إلى «حقيقة» في رأسي؟

 

ماذا لو استبدلتها بجملة أكثر إنصافًا لي؟

 

لا تحتاج أن تصل إلى إجابة نهائية اليوم. يكفي أن تبدأ في التشكيك؛ لأن التشكيك في القصة هو أول خطوة لتغييرها.

 

5. سؤال الثلاثاء

 

ما القصة الوحيدة التي تعتقد أنك لو تخلصت منها، ستتغير حياتك بشكل ملحوظ؟

 

احمل هذا السؤال معك طوال الأسبوع، ولا تستعجل الإجابة.

 

إلى الثلاثاء القادم

 

الآن، بعد أن بدأنا نفرز القصص القديمة، السؤال الطبيعي التالي هو: كيف أبني علاقة أفضل مع هذا الشخص الذي بقي أمامي، بعد أن تخلصت من بعض تلك القصص؟

 

هذا ما سنتحدث عنه الثلاثاء القادم، قبل أن ننتقل تدريجيًا إلى الثقة، والعادات، والانضباط — الخطوات التي تحوّل معرفتنا بأنفسنا إلى شيء نبنيه فعلًا، لا مجرد فكرة نفكر فيها.

 

أراك يوم الثلاثاء.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *