...
IMG 20260909 WA0046

 

الكاتبة عاليا عجيزة

 

صدى الأعماق: النداء الممنوع

 

كانت القرية الساحلية هادئة، يلفها ضباب البحر المالح. لكن في قلب كل بحار، كان هناك رعب صامت يختبئ في ظلال الأمواج. كانت تلك هي نداهة البحر، أسطورة مخيفة تتناقلها الأجيال، تجسيد لغضب البحر وقسوته. لم يكن جمالها فخًا، بل نذير شؤم؛ فكانت قشورها بلون الدم القاني، وشعرها الأسود المنسدل يذوب في عمق الليل، وكان لديها جناحان جلديان أسودان، كأجنحة الخفافيش، يبرزان من ظهرها كتحذير مرعب. كانت تنتمي إلى فصيلة غامضة، فصيلة “ناثرا”، مخلوقات بحرية قوية وحاقدة على البشر.

 

 

 

 

يحكى أن نداهة البحر كانت في الأصل بشرية، ابنة قبطان سفينة غرقت في عاصفة عاتية. كانت تعشق البحر، لكنه خانها وحرمها من عائلتها. في لحظة يأس، وافقت على صفقة مع “ناثرا”، مخلوق قديم يسكن في أعماق المحيط. منحتها القوة للنجاة، لكن مقابل ثمن باهظ: التحول إلى واحدة منهم، إلى نداهة البحر.

 

 

 

لم تكن نداهة البحر تبحث عن الحب أو الرفقة، بل عن الانتقام.

 

 

 

كانت تستخدم صوتها الساحر، الذي كان يشبه مزيجًا من غناء الحوريات وصرخات الألم، لجذب البحارة إلى هلاكهم.

 

 

 

كانت تقف على صخرة نائية تحت ضوء القمر الساطع.

 

 

وتغني أغنية حزينة ومغرية تأسر قلوب الرجال وعقولهم.

 

 

 

لم تكن الأغنية تتحدث عن السعادة، بل عن الخسارة والألم، وعن الوعود الكاذبة للحياة.

 

 

 

 

كان البحارة الذين سمعوا غنائها يشعرون بقوة لا تقاوم تدفعهم نحوها.

 

 

 

كانت عقولهم تتشوش، وقلوبهم تنبض بجنون، ولم يكن بإمكانهم مقاومة النداء الممنوع.

 

 

 

كانوا يلقون بأنفسهم في الماء، متجاهلين تحذيرات زملائهم، ويسبحون نحو الصخرة حيث تنتظر نداهة البحر.

 

 

 

وعندما يصلون إليها، كانت تقبض عليهم بمخالبها الحادة، وتسحبهم إلى أعماق البحر، حيث لم يعودوا أبدًا.

 

 

 

 

لم تكن نداهة البحر تقتل فقط من أجل الانتقام، بل كانت تتغذى على طاقة أرواحهم.

 

 

 

كانت تصبح أكثر قوة مع كل ضحية، وكان غنائها يصبح أكثر سحراً وتدميراً.

 

 

 

ومع مرور الوقت، أصبحت القرية الساحلية مهجورة، حيث فر البحارة خوفًا من نداهة البحر.

 

 

 

لكن في أحد الأيام، جاء بحار شاب يدعى خالد إلى القرية.

 

 

 

 

كان خالد شجاعًا وذكيًا، وكان مصممًا على كشف سر نداهة البحر.

 

 

 

كان يعلم أن هناك شيئًا أكثر من الأسطورة، وأن هناك سببًا وراء غضبها.

 

 

فقرر أن يواجهها، ليس بالسلاح، بل بالحب والتفهم.

 

 

 

انتظر خالد حتى ليلة قمرية ساطعة، وصعد إلى قارب صغير وأبحر نحو الصخرة حيث تعيش نداهة البحر.

 

 

 

لم يكن خائفًا، بل كان يشعر بالفضول والتعاطف. وعندما سمع غنائها، لم يشعر بالرغبة في الانتحار، بل شعر بحزن عميق وألم لا يطاق.

 

 

 

فقرر أن يغني لها، ليس أغنية حب، بل أغنية تعزية ومواساة.

 

 

 

عندما سمعت نداهة البحر غناء خالد، توقفت عن الغناء.

 

 

 

كانت هذه هي المرة الأولى التي يسمع فيها صوتًا بشريًا لا يحتوي على الخوف أو الشهوة،بل على الحب والتعاطف.

 

 

كانت تشعر بالدهشة والارتباك، وبدأت ذكريات حياتها البشرية تعود إليها.

 

 

 

فنزلت من على الصخرة وسبحت نحو خالد، وكان وجهها مليئًا بالحزن والألم.

 

 

 

نظرت نداهة البحر إلى خالد، ورأت فيه انعكاسًا لنفسها قبل التحول. رأت شابًا بريئًا يحب البحر.

 

 

 

ورأت فيه الأمل الذي فقدته منذ زمن طويل. فقررت أن ترحمه، وأن تمنحه فرصة ثانية.

 

 

 

فلامست جبينه بيده، وشعر خالد بقوة غريبة تسري في جسده.

 

 

كانت هذه هي قوة “ناثرا”، قوة البحر التي منحتها نداهة البحر إياها.

 

 

“أهؤلاء هم البشريون؟

أيستحقون العفو عنهم؟!

 

إستفيقي يا حورية إن من خدعك وقام بقتلك أحدهم.

بالتأكيد ليس الجميع قتلة، لكن ربما بسبب عدم حصولهم على فرصة لذلك”.

 

 

منذ ذلك اليوم، توقفت نداهة البحر عن الغناء للبحارة.

 

 

لم تكن تريد أن تقتل مرة أخرى، بل كانت تريد أن تعيش بسلام مع ذكرياتها.

 

 

 

وأصبحت القرية الساحلية مزدهرة مرة أخرى، وعاد البحارة إلى الصيد دون خوف.

 

 

 

لكن خالد لم ينس نداهة البحر، وكان يزورها كل ليلة قمرية، ويغني لها أغاني تعزية ومواساة.

 

 

 

وكانت نداهة البحر تستمع إليه بصمت، وكان وجهها يبتسم ابتسامة حزينة، وكان صدى صوتها يملأ أعماق البحر بسلام وهدوء.

 

 

 

 

 

هبت رياح الشمال محملة برذاذ مالح بارد.

 

 

تعصف بشرع ذلك القارب الصغير الذي اتجه نحو عرض البحر تحت ضوء قمر اكتمل نوره.

 

 

 

كان خالد، وهو بحار شاب أعيته الحكايات ولم تُخفه الأساطير، يقود قاربه بثبات نحو “شعاب الموت”.

 

هناك، حيث تتكسر الأمواج على صخور سوداء حادة، ترابض نداهة البحر.

 

 

 

لم تكن كما صورها الخيال الشعبى مجرد عروس بحر تتطلع للشاطئ بجمال عذب.

 

 

 

بل كانت كائناً منتمياً لعرش الأعماق المظلمة؛ جسد يتداخل فيه سحر حوريات البحر بغموض الكائنات العتيق.

 

 

 

 

 

يتوج ظهرها جناحان جلديان أسودان يشبهان أجنحة الخفافيش، تتلألأ قشور ذيلها الحلكي تحت أضواء الفلك.

 

 

 

 

كانت تقف على الصخرة العاتية.

 

 

 

ترفع يداً ترتسم عليها تعاويذ ضوئية دقيقة، ينبعث منها وميض أرجواني سحري، وبجوارها يقف غراب الليل شاهداً على صمت المأساة.

 

 

 

 

بدأ النداء. لم يكن مجرد صوت، بل كان أثيراً يسري في العظام قبل الآذان، نغمة تجمع بين رقة الوعد ومرارة الحسرة.

 

 

 

غناء يتسلل إلى أعماق الروح، يهمس بكل أمنية لم تتحقق وكل حب أطفأه الغرق.

 

 

 

كان الصوت يجذب يونس نحو الحافة، يدعوه للقفز في المياه المظلمة حيث لا ألم ولا ذاكرة.

 

 

 

 

 

لكن خالد، الذي ربط نفسه إلى صاري القارب ووضع في أذنيه ما يمتص حدة الصوت، لم يكن يسعى للموت، بل جاء يحمل سراديب حقيقة قديمة.

 

 

 

 

عندما اقترب القارب إلى حد خطر، رفعت النداءة رأسها المزين بجدائل كعتمة الليل، والتقطت عيناها النارية عينيه.

 

 

 

 

لم تجد فيهما الذعر السائد لدى الضحايا، ولا العشى الذي يصيب السحرة، بل رأت إدراكاً هادئاً.

 

 

 

 

 

سكت الغناء فجأة، وحلّ صمت ثقيل لم يقطعه إلا صوت هدير الموج.

 

 

 

فتحت النداءة جناحيها الداكنين جزئياً، وانحنت للأمام كأنها تستشف سر هذا الغريب.

 

 

 

 

طوال عقود، كانت تستدرج الغواة والمذنبين لتدفع بهم إلى القاع ثأراً لعقد قديم أبرمته مع ظلمات المحيط.

 

 

 

 

لكن هذا الفتى كان يحمل في يده قلادة صدفية قديمة، أخرجها من جيبه ورفعها أمام ضوء القمر.

 

 

 

 

ترددت الحورية في مكانها.

 

 

 

انتفض الغراب الرابض بجوارها ورفرف بجناحيه قبل أن يطلق صيحة حادة.

 

 

 

بينما انحسرت الوهجة الأرجوانية بين يديها قليلاً.

 

 

 

تلاقت نظراتهما لثوانٍ معدودة بدا فيها الزمن متوقفاً؛ أهذا الفتى يعرف سلالتها؟ أم أنه يحمل رسالة من بقعة غارقة لم تصلها الأمواج بعد؟

 

 

 

 

لم تتكلم، ولم يجرؤ خالد على نطق كلمة واحدة.

 

 

وفي لحظة خاطفة، ضربت بذيلها القوي سطح الصخرة.

 

 

 

لتقفز إلى الخلف وتختفي في أطواء الماء المظلمة.

 

تاركة وراءها الدوار الأسود ودوامات متلاحقة.

 

 

بينما ظل جناحها يطفو لأجزاء من الثانية قبل أن يبتلعه العباب.

 

 

 

 

تراجع الموج، وعاد السكون يلف القارب المحطم جزئياً.

 

 

جفف يونس رذاذ البحر عن وجهه ونظر إلى القلادة في يده، ثم إلى حافة الصخرة الفارغة حيث سقطت ريشة سوداء واحدة داكنة.

 

 

 

 

كانت الدوائر على سطح الماء تتسع وتتداخل، تحذر بأن السحر لم ينتهِ بعد، بل بدأ للتو فصل جديد لا يعلم أحد أين يستقر؛ فهل كانت تلك الرقصة الأخيرة مجرد انسحاب موقت لمكيدة أعظم، أم أن الغوص للأسفل كان البداية لاستدعاء شيء أشد خطورة من أعماق المحيط؟

 

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *