الكاتبه أمل سامح
يقول محمود درويش:
«ليست الروعة أن ترى من تحب كل يوم،
ولكن الروعة أن تشعر بوجوده حولك حتى وإن كان بعيدًا عنك،
هناك مسافات تقطعها القلوب شوقًا، ولا تدري الأقدام عنها شيئًا.»
أما أنا فأقول:
ليست المسافةُ أن تفصلَ بيني وبينك مدينة،
ولا أن يطولَ الطريقُ بين نافذتين،
المسافةُ الحقيقية
أن تكونَ أقربَ الناس إلى قلبي،
ثم لا أستطيع الوصولَ إليك.
أن يمرَّ اسمُك في حديثٍ عابر،
فأبتلعُ ارتجافةَ صوتي،
وأبتسمُ كأنني لم أعرفك يومًا،
بينما في داخلي
تنهضُ أعوامٌ كاملة
من تحت ركام الصمت.
يا محمود،
قلتَ إن القلوب تقطع المسافات شوقًا،
لكنّك لم تقل لنا
ماذا تفعل القلوب
حين تصلُ ولا تجدُ من تشتاق إليه.
لم تقل لنا
أن القلب قد يقطعُ ألف طريقٍ في ليلة،
ثم يعودُ إلى المكان نفسه،
مكسورًا،
لأنه يعرفُ أن الوصولَ لم يعد ممكنًا.
أنا لا أشتاقُ إليك كما يشتاقُ الغريبُ إلى وطن،
فالغريبُ يستطيعُ أن يعود.
أنا أشتاقُ إليك
كما يشتاقُ الميتُ إلى لحظةٍ واحدة
ليقول فيها ما لم يستطع قوله قبل الرحيل.
أشتاقُ إليك
لا لأنك بعيد،
بل لأنك كنتَ يومًا قريبًا جدًا،
قريبًا إلى الحد الذي جعلني
أترك لك مكانًا في روحي
لم أعرف كيف أسترده بعدك.
أتعرف ما يؤلم؟
أنني لم أفقدك في يومٍ واحد،
بل فقدتك مراتٍ كثيرة،
في كل مرةٍ كنتَ تتغير فيها،
في كل وعدٍ لم يكتمل،
في كل صمتٍ طال أكثر مما ينبغي،
وفي كل مرةٍ أقنعتُ قلبي
أن الغائبَ سيعود
فكان يعودُ شخصًا آخر.
كنتُ أظن أن أصعب ما في الفراق
أن لا أراك،
ثم اكتشفتُ أن الأصعب
أن أراك في كل شيء.
في أغنيةٍ لم أعد أسمعها،
في مقعدٍ فارغ،
في شارعٍ لا علاقة له بك،
في رائحة عطرٍ مرّت بجواري مصادفة،
في ساعةٍ متأخرة من الليل
حين ينام العالم
ويستيقظ الماضي.
أراك في الأشياء التي لا تعرفك،
وهذه أقسى أنواع الحضور.
حتى الأماكن التي لم تجمعنا يومًا
صرتُ أخافها،
لأنني أعرف أن الذاكرة
لا تحتاج إلى مكانٍ حدثت فيه الحكاية؛
يكفيها أن تجد قلبًا
ما زال يحتفظ بها.
كنتُ أقول:
سأنساك.
وكنتُ أكذب.
ليس لأنني عاجزة عن النسيان،
بل لأن بعض الأشخاص
لا يسكنون الذاكرة كي نخرجهم منها،
إنهم يتسللون إلى تكويننا،
يأخذون شيئًا من ضحكتنا،
شيئًا من خوفنا،
شيئًا من نظرتنا إلى الحياة،
ثم يرحلون
ويتركوننا نكتشف متأخرين
أننا لم نعد الشخص نفسه.
يا محمود،
قلتَ إن الأقدام لا تعرف تلك المسافات،
وأنا أقول لك:
إن بعض المسافات
لا تُقاس بالخطوات،
بل بعدد المرات
التي مدَدنا فيها أيدينا إلى أحدهم
ثم تذكرنا أنه لم يعد لنا.
هناك مسافةٌ
بين «كنتَ لي» و«لم تعد»،
أطول من عمرٍ كامل.
ومسافةٌ أخرى
بين «أحبك» و«لن أعود إليك»،
لا يقطعها أحد،
لأن القلب فيها يمشي حافيًا
فوق زجاج الذكريات.
أنا لا أكرهك.
وهذا، ربما،
أشد ما يؤلمني.
لو كنتُ أكرهك
لهان الأمر.
كان يكفيني أن أذكرك
فأغلق الباب،
وأمضي.
لكنني كلما حاولتُ أن أكرهك،
تذكرتُ النسخة القديمة منك،
تلك التي أحببتها بصدق،
فوجدتُ قلبي يلومني
لأنني أحاول معاقبة إنسانٍ
لم يعد موجودًا.
فبقيتُ معلقةً
بين رجلٍ أحببته،
ورجلٍ آذاني،
وبينهما
امرأةٌ أنا،
لا تعرف أيَّهما تبكي.
وأحيانًا،
في أكثر لياليّ هدوءًا،
أتمنى لو أستطيع أن أعود
إلى أول يومٍ عرفتك فيه،
لا لأحبك من جديد،
بل لأحذّر قلبي.
سأقول له:
لا تفتح كل الأبواب.
بعض الذين يدخلون القلب
لا يملكون نية البقاء،
لكنهم يملكون قدرةً هائلة
على ترك الفوضى بعد الرحيل.
وسأقول له:
لا تجعل شخصًا واحدًا
وطنك كله،
فإن رحل
لن تعرف بعده
أين تنتمي.
ثم ربما سأعود إلى الحاضر،
وأجلس وحدي،
وأضع يدي على قلبي
وأقول:
لقد نجوت.
لكن القلب،
ذلك الكائن العنيد،
سيهمس في آخر الليل:
نجوتِ منه…
لكن هل نجوتِ مما فعله بكِ؟
وحينها أفهم
أن بعض الفراق لا ينتهي
حين نغادر الأشخاص،
بل حين نتوقف عن انتظار
أن يعيدوا إلينا
النسخة التي كنا عليها قبلهم.
لذلك،
إن سألتني عن المسافات يا محمود،
فسأقول:
أبعد المسافات
ليست بين قلبين لا يلتقيان،
بل بين قلبين يلتقيان،
ويعرف كلٌّ منهما
أن عليهما أن يتظاهرا
بأنهما لم يلتقيا.
وأقسى الشوق
ليس أن أقول: «أفتقدك»،
بل أن أفتقدك
ولا أملك حتى حقَّ الاعتراف بذلك.
وأقسى الذكريات
ليست التي تجعلنا نبكي،
بل التي تجعلنا نبتسم أولًا…
ثم نسكت طويلًا،
لأننا نتذكر
أن صاحب تلك الابتسامة
لم يعد في حياتنا.
أما أنا،
فقد تعلّمت أخيرًا
أن القلب قد يحبُّ أحدًا
حتى آخر نبضة،
ثم يختار ألّا يعود إليه.
فليس كل حبٍّ
يُكتب له اللقاء،
وليس كل اشتياقٍ
دعوةً للعودة،
وليس كل من بقي في القلب
يجب أن يبقى في الحياة.
بعضهم نحبهم إلى الأبد،
لكننا نتعلم أن نحبهم من بعيد…
من المسافة التي لا تقطعها الأقدام،
ولا تستطيع القلوب، مهما اشتاقت،
أن تتجاوزها.
وهناك،
في آخر الطريق،
حين لا يبقى من الحكاية
إلا اسمٌ قديم
ووجعٌ يعرف صاحبه وحده،
أقول لنفسي:
لم يكن أكثر ما يؤلمني أنك رحلت…
بل أن جزءًا مني
ظل واقفًا عند الباب،
سنواتٍ طويلة،
يظن أنك ستعود.
ثم أغلق الباب أخيرًا…
لا لأنني توقفت عن حبك،
بل لأنني أدركتُ
أن بعض الأبواب
حين نغلقها بيدٍ مرتجفة،
نكون في الحقيقة
ننقذ ما تبقّى من قلوبنا.
![]()
