...
IMG 20260917 WA0076(1)

 

الكاتبه عاليا عجيزة

 

لم تكن خطواتها تطأ الأرض بوزن أجساد الفانين، بل كانت تُعانق الهواء بتؤدة وحسرة، كأنما تجر خلفها أسرار قرونٍ غابرة أُبيدت عن بكرة أبيها في غفلة من التاريخ.

 

كانت تعبر الأروقة المتهدمة لذلك القصر العتيق، حيث تتسلل أشعة القمر الفضية من خلال السقف المنهار، لتبث حياة واهمة في أحجار هجرها الزمان والمكان منذ أمد بعيد.

 

لم تكن تشعر ببرودة الحجر الصليبي تحت قدميها الحافيتين، ولا بأريج الورد الأسود الذي تسلق الأعمدة المتهالكة، كأنه يلتهم رفات القديسين، فقد كانت تنتمي إلى عالم آخر غير هذا العالم المادي الذي تحبسها فيه الذكريات العتيقة.

 

كل ليلة، عندما يبلغ القمر كماله ويضيء زجاج النافذة الملونة بتلك الهالة الزرقاء الساحرة، تعود إلى هذا الممر المحدد، تقف أمام صورة القديس المتجسدة في الزجاج المعشق، تنظر إليه وكأنها تنتظر كلمة أو إشارة، أو شاخصًا يعيد إليها ثواني حياتها التي سُرقت منها قبل أن تفهم سبب الفناء.

 

كانت أطراف ردائها الشفاف تتطاير، كأنها نسيم أثيري يرقص على إيقاع حزين، تحاكي ظلال الماضي البعيد، وتنساب حول جسدها خطوط الضوء الضبابي لتنسج حكاية غموض لم يُكتب لها ختام بعد.

 

وصلت إلى منتصف البهو، حيث تجمعت مياه الأمطار القديمة لتشكل مرآة زجاجية، يعكس سطحها ضوء البدر الساطع في السماء.

 

توقفت هنالك، ونظرت إلى أسفل، فلم ترَ انعكاس وجهها الشاحب، بل رأت لمحات خاطفة من ليلة غابرة؛ أصوات موسيقى بعيدة، وضجيج احتفال ضخم ملأ هذه القاعة بالأمل والضحكات قبل أن يحترق كل شيء، ويبقى فقط الصمت والأطلال وجسدها المحتجز في برزخ الخلود.

 

مالت برأسها قليلًا نحو الأقواس الرومانية المتآكلة، وكأنها تستمع إلى صدى صوتٍ ناعم يهمس اسمها عبر الرياح الخريفية.

 

رفعت يدها النحيلة، المكونة من الضوء والغموض الشفاف، وتلمست الهواء البارد.

 

كانت تعصف بها مشاعر جارفة لم تُحسم قط: هل هي سجينة هذا المكان بفعل الخوف والمأساة؟ أم أنها ترفض الرحيل لأن هناك وعدًا قطعته لأحدهم ولم يتحقق حتى هذه الليلة؟ كانت تتساءل في سرها عما إذا كان الخلاص يكمن في النسيان، أم أن النسيان يعني العبور إلى العدم التام دون إمكانية للعودة.

 

 

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *