...
IMG 20260920 WA0053

 

 الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد

 

لم يكن صباح ذلك اليوم يشبه أي صباح مر على أحمد من قبل

 

استيقظ وهو يشعر أن هناك شيئًا تغير بالفعل

 

لم تكن هناك مكالمة ينتظرها من منة كي يعرف كيف سيكون يومه

 

ولم يكن هناك موعد سيجمعهما بعد ساعات ثم تعود هي إلى بيت أهلها

 

ولم تعد كلمة الخطوبة هي الكلمة التي تصف علاقتهما

 

فقد انتهت تلك المرحلة بكل ما حملته من انتظار ولهفة وخوف وفرحة

 

وأصبح أمامه الآن شيء آخر

 

شيء أكبر

 

وأعمق

 

وأكثر مسؤولية

 

أصبح عليه أن يعيش مع الإنسانة التي أحبها

 

لا أن يكتفي بالاشتياق إليها

 

وكان أول شيء فعله بعد أن استيقظ أن رفع يديه إلى الله

 

وشكره

 

ثم ظل للحظات ينظر إلى المكان حوله

 

ويفكر في الطريق الذي قطعه

 

تذكر أول مرة ذهب فيها ليرى منة

 

وتذكر ذلك التردد الذي كان بداخله

 

وتذكر كيف كان يخاف أن يتسبب في كسر قلب فتاة لا ذنب لها

 

ثم تذكر النظرة الأولى

 

والراحة التي شعر بها

 

وتذكر الأيام التي جاءت بعدها

 

المكالمات

 

والضحكات

 

والاختلافات

 

والصلح

 

والمصاصات

 

والملاهي

 

والحسين

 

والشقة

 

والتجهيزات

 

والأيام التي ضاقت فيها الظروف

 

ثم عاد يتذكر وعدهما

 

أن يواجه كل شيء معًا

 

ابتسم

 

وقال لنفسه

 

كل ده وصلنا له

 

ثم سكت قليلًا

 

وقال

 

الحمد لله

 

كان يوم الزواج مليئًا بالتفاصيل

 

الأصوات

 

الحركة

 

الدعوات

 

الضحكات

 

والدموع التي لم تستطع الأمهات إخفاءها

 

كانت والدة أحمد تتحرك بين الأشياء وهي تحاول أن تبدو ثابتة

 

لكن قلبها كان ممتلئًا بمشاعر كثيرة

 

كانت ترى ابنها الذي تحمل مسؤولياته منذ سنوات

 

ويقف الآن أمام لحظة كان يتمنى أن يراها كاملة

 

وكان هناك شيء في داخل أحمد لا يستطيع أن يشرحه

 

فرحته كانت كبيرة

 

لكن وسط فرحته

 

كان هناك فراغ صغير

 

ذلك الفراغ الذي تركه غياب والده

 

وفي لحظة هادئة

 

ابتعد أحمد عن الجميع

 

وقف وحده

 

ثم قال بصوت خافت

 

كنت أتمنى تكون هنا

 

لم يكن يريد أن يحزن

 

لكن ذكرى والده كانت أقوى من أن تختفي في يوم كهذا

 

ثم ابتسم وقال

 

كنت أتمنى أشوفك واقف جنبي

 

وبعدها عاد إلى الناس

 

وكانت والدته قد لاحظت تغير ملامحه

 

اقتربت منه

 

وقالت

 

إنت كويس

 

قال

 

آه يا أمي

 

قالت

 

سرحت ليه

 

قال

 

افتكرت أبويا

 

سكتت والدته

 

ثم قالت

 

ربنا يرحمه

 

قال أحمد

 

كان نفسي أشوفه النهارده

 

قالت

 

أكيد كان نفسه يشوفك

 

قال

 

أنا عمري ما لحقت أعرفه كويس

 

قالت

 

بس هو أكيد كان هيفرح بيك

 

قال أحمد

 

نفسي أكون راجل يفرحه حتى لو مش شايفني

 

قالت

 

وأنت طول عمرك رافع راسنا

 

احتضنته والدته

 

ولم تقل شيئًا آخر

 

فلم تكن هناك كلمات تستطيع أن تحمل كل ما كان في قلبهما

 

وفي مكان آخر

 

كانت منة تستعد

 

كانت تنظر إلى نفسها

 

لكنها لم تكن ترى الملابس أو التفاصيل الخارجية فقط

 

كانت ترى فتاة أخرى

 

تلك الفتاة التي كانت منذ وقت قريب تتحدث مع أحمد عبر الهاتف

 

وتنتظر مكالمته

 

وتضحك عندما يمازحها

 

وتغضب عندما يضايقها

 

وتشتاق إليه عندما يسافر

 

وتحكي له عن تفاصيل يومها

 

اليوم أصبحت تلك الفتاة زوجته

 

اقتربت والدتها منها

 

وقالت

 

إنتي سرحانة في إيه

 

قالت منة

 

في كل حاجة

 

قالت

 

خايفة

 

قالت

 

شوية

 

قالت

 

وفرحانة

 

قالت

 

أوي

 

قالت والدتها

 

يبقى ادعي ربنا

 

قالت منة

 

دعيت

 

قالت

 

وقلبي مطمن

 

قالت منة

 

عشان أحمد

 

قالت والدتها

 

وعشان ربنا

 

قالت

 

وعشان ربنا قبل كل حاجة

 

ابتسمت والدتها

 

وقالت

 

ربنا يسعدكم

 

ثم جاء الوقت

 

الذي انتظراه طويلًا

 

وأصبح كل شيء حقيقة

 

حين رأى أحمد منة

 

لم يستطع أن يتصرف كما كان يتخيل

 

كل الكلمات التي حضرها في ذهنه اختفت

 

وظل ينظر إليها

 

فقالت له بصوت خافت

 

إيه

 

قال

 

مش عارف أقول حاجة

 

قالت

 

ليه

 

قال

 

أول مرة أشوفك وأحس إنك مش بعيدة عني

 

سكتت

 

ثم ابتسمت

 

قال

 

كنت دايمًا بتروحي

 

النهارده إنتي معايا

 

قالت

 

الحمد لله

 

قال

 

الحمد لله

 

كانت لحظة قصيرة

 

لكنها حملت سنوات من الانتظار

 

وبعد انتهاء كل شيء

 

بدأت الحياة الجديدة بالفعل

 

وصل أحمد ومنة إلى البيت

 

البيت الذي كانا يتحدثان عنه طوال الشهور الماضية

 

البيت الذي اختارا ألوانه معًا

 

وتابعا تجهيزاته معًا

 

البيت الذي كان في يوم من الأيام مجرد جدران فارغة

 

أصبح الآن يحمل صوتهما

 

دخلت منة

 

وتوقفت للحظة

 

نظرت حولها

 

ثم قالت

 

هو ده بقى

 

قال أحمد

 

ده بيتنا

 

قالت

 

مش مصدقة

 

قال

 

فاكرة لما كنا بنبعت صور لبعض

 

قالت

 

فاكرة

 

قال

 

دلوقتي مش محتاجين صور

 

قالت

 

ليه

 

قال

 

عشان إحنا هنا

 

ابتسمت

 

وقالت

 

الحمد لله

 

ثم وضعت حقيبتها

 

وجلست للحظات

 

كان واضحًا عليها التعب

 

اقترب أحمد منها

 

وقال

 

تعبتي

 

قالت

 

شوية

 

قال

 

ارتاحي

 

قالت

 

وأنت

 

قال

 

أنا كويس

 

قالت

 

إنت تعبان أكيد

 

قال

 

أنا أول يوم ليا في بيتي

 

قالت

 

وأنا أول يوم ليا في بيتي

 

نظر إليها أحمد

 

وقال

 

لسه مش متعود على كلمة بيتي

 

قالت

 

أنا كمان

 

قال

 

بس حلوة

 

قالت

 

أوي

 

ثم ظل الاثنان يتجولان داخل الشقة

 

كل زاوية كانت تحمل ذكرى

 

قالت منة

 

فاكر اللون ده

 

قال

 

أنا اللي كنت عايزه

 

قالت

 

وأنا وافقت

 

قال

 

والمطبخ

 

قالت

 

ده اللي اتخانقنا عليه

 

قال

 

اتخانقنا

 

قالت

 

اختلفنا

 

قال

 

آه

 

قالت

 

وبعدين اتفقنا

 

قال

 

زي كل حاجة

 

ثم دخل الاثنان إلى الغرفة

 

وكان الصمت هذه المرة مختلفًا

 

لم يعد هناك خوف من انتهاء الوقت

 

ولا قلق من أن تضطر منة إلى العودة إلى بيت أهلها

 

قالت

 

أحمد

 

قال

 

نعم

 

قالت

 

أنا لسه مش مستوعبة

 

قال

 

ولا أنا

 

قالت

 

إحنا بجد بقينا متجوزين

 

قال

 

أيوه

 

قالت

 

بعد كل الكلام ده

 

قال

 

بعد كل الكلام ده

 

قالت

 

وكل الانتظار

 

قال

 

وكل الخروجات

 

قالت

 

وكل المشاكل

 

قال

 

وكل المصالحات

 

قالت

 

وكل الوعود

 

قال

 

أهم وعد

 

قالت

 

إيه

 

قال

 

إننا ما نسيبش بعض وقت الخلاف

 

قالت

 

فاكرة

 

قال

 

دلوقتي هنحتاجه أكتر من أي وقت

 

قالت

 

وأنا جاهزة

 

قال

 

وأنا كمان

 

ثم قالت

 

أحمد

 

قال

 

نعم

 

قالت

 

أنا مش عايزة البيت ده يبقى مجرد بيت

 

قال

 

هيبقى إيه

 

قالت

 

عايزة لما ندخل هنا بعد يوم صعب

 

نحس إننا رجعنا لمكان آمن

 

قال

 

هحاول

 

قالت

 

مش لوحدك

 

قال

 

صح

 

قالت

 

إحنا الاتنين

 

قال

 

إحنا الاتنين

 

ثم جلسا يتحدثان طويلًا

 

عن الأيام القادمة

 

عن المسؤوليات

 

عن العمل

 

عن المصاريف

 

عن الطعام

 

عن ترتيب البيت

 

عن الزيارات

 

عن العائلتين

 

وعن أشياء كثيرة لم يتحدثا عنها بالتفصيل من قبل

 

ولم يكن الحديث ثقيلًا

 

بل كان جميلًا

 

لأن كل واحد منهما كان يكتشف أن الزواج ليس نهاية الرومانسية

 

بل بداية شكل جديد منها

 

قبل أن يناما

 

قال أحمد

 

منة

 

قالت

 

نعم

 

قال

 

مبسوطة

 

قالت

 

أوي

 

قال

 

حتى لو الحياة طلعت أصعب مما إحنا متخيلين

 

قالت

 

هتبقى حلوة وإحنا سوا

 

قال

 

حتى لو اختلفنا

 

قالت

 

هنتكلم

 

قال

 

حتى لو تعبنا

 

قالت

 

هنرتاح

 

قال

 

حتى لو الدنيا ضاقت

 

قالت

 

هنفتكر ربنا

 

قال

 

وعد

 

قالت

 

وعد

 

ثم سكت أحمد قليلًا

 

وقال

 

أنا كنت فاكر إن أجمل يوم في حياتي هو اليوم اللي شوفتك فيه لأول مرة

 

قالت

 

ودلوقتي

 

قال

 

دلوقتي عرفت إن أجمل حاجة مش يوم واحد

 

قالت

 

أمال إيه

 

قال

 

إن كل يوم جديد معاكِ يبقى فرصة أحبك أكتر

 

ابتسمت منة

 

وقالت

 

وأنا كنت فاكرة إن أجمل حاجة في الخطوبة إنك كنت بتكلمني بالساعات

 

قال

 

ودلوقتي

 

قالت

 

دلوقتي عرفت إن أجمل حاجة إنك هتبقى موجود لما أصحى

 

ولما أنام

 

ولما أكون مبسوطة

 

ولما أكون زعلانة

 

قال أحمد

 

يبقى نبدأ

 

قالت

 

نبدأ

 

وفي تلك الليلة

 

نام الاثنان لأول مرة وهما يعرفان أن حياتهما أصبحت مشتركة فعلًا

 

لم تعد هناك مسافة بين بيتين

 

ولا ساعات انتظار

 

ولا خوف من أن ينتهي اليوم قبل أن يلتقيا

 

لكن الحياة التي تخيلوها لم تكن ستمنحهما كل شيء بسهولة

 

ففي الصباح التالي

 

سيبدأ أول اختبار حقيقي للزواج

 

ليس اختبارًا للحب

 

بل اختبارًا للقدرة على تحويل الكلام الجميل الذي قالاه في الخطوبة

 

إلى أفعال

 

لأن الزواج لا يسأل الإنسان فقط

 

هل تحب

 

بل يسأله

 

هل تستطيع أن تحافظ على هذا الحب عندما تتعب

 

وعندما تختلف

 

وعندما تقل الأموال

 

وعندما تتراكم المسؤوليات

 

وكان أحمد ومنة على موعد مع أول صباح

 

سيكتشفان فيه أن البيت الجميل لا تصنعه الأثاثات

 

بل تصنعه طريقة تعامل قلبين

 

قررا أن يكملا العمر معًا.

 

انتظر الجزء القادم

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *