الكاتب: عبد الرحيم الشويلي
كانت دعاء في السابعة، بضفيرتين شقراوين وحقيبة حمراء أكبر من كتفيها، حين دخلت المدرسة للمرة الأولى.
توقفت عند الباب لحظة.
لم يكن في المشهد ما يُشبه الصور التي رسمتها أمها لها عن المدرسة؛ جدرانٌ متعبة، ونوافذُ مكسورة، ومقاعدُ فقدت ألوانها، وسبورةٌ شاحبة تقف في مقدمة الصف كأنها نسيت آخر درس.
جلست دعاء في المقعد الأول.
وضعت حقيبتها على الأرض، وأخرجت دفترًا جديدًا.
ظلت تحدّق في الصفحة البيضاء طويلًا.
سألتها المعلمة:
— ماذا ستكتبين؟
رفعت دعاء رأسها وقالت:
— كلمة أحبها.
ثم كتبت بخطٍّ طفوليٍّ متردد:
وطن.
ابتسمت المعلمة، لكن دعاء لم ترفع قلمها.
أضافت تحتها:
مدرسة.
ثم:
كتاب.
ثم توقفت.
نظرت إلى الكلمات الثلاث، كأنها تكتشف بينها سرًّا صغيرًا.
في الاستراحة، خرج الأطفال إلى الساحة. كان السور عاليًا، تعلوه أسلاكٌ صدئة، وكانت الشمس تنفذ من بينها على هيئة قضبان من ذهب.
رفعت دعاء رأسها إليه، وقالت لصديقتها:
— لماذا السور عالٍ هكذا؟
— حتى لا نهرب.
ضحكت دعاء.
ثم قالت بجدية:
— أنا لا أريد أن أهرب من المدرسة… أريد أن أخرج منها وأنا أعرف لماذا أحب وطني.
عادت إلى صفها.
فتحت دفترها من جديد، ورسمت نخلةً عالية، تحتها مقعدٌ خشبي، وفوقها طائر، وفي الجهة الأخرى رسمت نهرين طويلين يتعانقان في الطريق.
كتبت تحتهما:
دجلة والفرات.
ثم كتبت:
هذان النهران لا يسألان الأطفال من أين جاؤوا… بل يحملانهم جميعًا إلى الغد.
دخلت المعلمة، فرأت الصفحة.
سألتها:
— ومن قال لكِ إن الوطن هكذا؟
رفعت دعاء عينيها وقالت:
— أمي.
— وماذا قالت أمكِ؟
أغلقت دعاء الدفتر وقالت:
— قالت إن الوطن الذي يحب أبناءه لا يترك طفلًا خارج المدرسة، ولا كتابًا بعيدًا عن يده، ولا حلمًا صغيرًا يموت قبل أن يكبر.
ساد الصمت.
نظرت المعلمة إلى المقاعد القديمة، ثم إلى النافذة.
وفي اليوم التالي، جاءت دعاء إلى المدرسة مبكرةً.
لكن شيئًا كان قد تغيّر.
وجدت في الساحة شتلةً صغيرة، وبجانبها مقعدًا جديدًا، وعلى الطاولة الخشبية وُضعت كتبٌ ملونة.
اقتربت منها المعلمة وقالت:
— يبدو أن أحدهم بدأ يكتب معكِ.
فتحت دعاء دفترها.
كتبت في الصفحة التالية:
وطن.
وتحتها:
طفل.
ثم ابتسمت، وأضافت:
تعليم.
رفعت رأسها نحو المعلمة:
— الآن اكتملت الجملة.
— أي جملة؟
أغلقت دعاء دفترها، وضمته إلى صدرها:
— الوطن الذي لا يحمي طفولته… لا يعرف كيف يكتب مستقبله.
وفي آخر الصفحة، بخطٍّ أصغر من كل ما سبق، كتبت:
«سأكبر هنا… لكنني أريد أن يكبر الوطن معي.»
![]()
