الكاتب د. عبد الرحيم الشويلي
يَهْبِطُ المَسَاءُ بِهُدُوءٍ، كَأَنَّهُ يَعْرِفُ أَنَّ فِي القَلْبِ أَشْيَاءَ لَا تُقَالُ فِي وَضَحِ النَّهَارِ. أَجْلِسُ وَحِيدًا، وَأَضَعُ أَمَامِي فِنْجَانَ قَهْوَةٍ؛ فَأَشْعُرُ أَنِّي لَسْتُ وَحِيدًا تَمَامًا.
يَتَصَاعَدُ بُخَارُهُ بَيْنِي وَبَيْنَ السَّمَاءِ، كَأَنَّهُ رِسَالَةٌ تَائِهَةٌ لَمْ تَجِدْ عُنْوَانَهَا بَعْدُ. أَمُدُّ يَدِي نَحْوَهُ، لَا لِأَلْمِسَ البُخَارَ، بَلْ لِأَتَأَكَّدَ أَنَّ شَيْئًا مَا لَا يَزَالُ دَافِئًا فِي هَذَا العَالَمِ.
يَا فِنْجَانِي الصَّامِتَ، كَمْ أَوْدَعْتُكَ مِنْ أَسْرَارٍ لَمْ أَجْرُؤْ أَنْ أَقُولَهَا لِأَحَدٍ! لَمْ تُجِبْنِي يَوْمًا، وَلَكِنَّ صَمْتَكَ كَانَ أَحْيَانًا أَبْلَغَ مِنْ كُلِّ إِجَابَةٍ.
فِيكَ مَرَارَةٌ تُشْبِهُ مَرَارَةَ الحُبِّ حِينَ يَكْبُرُ فِي الصَّمْتِ، وَحَلَاوَةٌ تَأْتِي مُتَأَخِّرَةً كَذِكْرَى شَخْصٍ ظَنَنَّا أَنَّنَا نَسِينَاهُ. أَرْتَشِفُكَ عَلَى مَهَلٍ، فَيَسْكُتُ ضَجِيجُ المَدِينَةِ، وَتَبْدَأُ أَصْوَاتٌ أُخْرَى فِي دَاخِلِي؛ أَصْوَاتُ أَيَّامٍ بَعِيدَةٍ، وَوُجُوهٍ غَابَتْ، وَأَحْلَامٍ مَا زَالَتْ تَقِفُ عَلَى بَابِ القَلْبِ وَتَنْتَظِرُ.
أُرِيدُ أَنْ أَذُوبَ فِيكَ كَمَا يَذُوبُ السُّكَّرُ؛ لَا أَثَرَ لِي إِلَّا طَعْمٌ خَفِيٌّ فِي آخِرِ الرَّشْفَةِ.
وَأُرِيدُ أَنْ أَكُونَ كَبُخَارِكَ؛ أَرْتَفِعُ قَلِيلًا عَنِ الأَرْضِ، ثُمَّ أَتَلَاشَى دُونَ ضَجِيجٍ، كَأَنِّي لَمْ أَكُنْ يَوْمًا إِلَّا حُلْمًا مَرَّ مِنْ هُنَا.
فِي آخِرِ المَسَاءِ، يَبْرُدُ الفِنْجَانُ، وَتَبْقَى فِي قَاعِهِ رَشْفَةٌ وَاحِدَةٌ.
أَنْظُرُ إِلَيْهَا طَوِيلًا، ثُمَّ أَبْتَسِمُ…
فَبَعْضُ مَا نُسَمِّيهِ وَحْدَةً، لَيْسَ غِيَابَ الآخَرِينَ؛ بَلْ هُوَ أَنْ نَجْلِسَ طَوِيلًا مَعَ أَنْفُسِنَا، وَنَكْتَشِفَ أَنَّنَا كُنَّا أَكْثَرَ مَنْ نُخْفِي عَنْهَا الحَقِيقَةَ.
![]()
