الكاتبه أمل سامح
لم أستطع الحركة.
كانت الطفلة تقف في نهاية الممر، بثوب أبيض قديم، وشعرها مربوطًا بشريط أزرق.
لم تكن مخيفة.
وهذا ما جعل الأمر أكثر رعبًا.
كانت تشبهني.
ليس في ملامح الوجه فقط…
بل في الطريقة التي كانت تنظر بها إليّ.
نظرة أعرفها جيدًا؛ لأنني رأيتها في المرآة طوال حياتي.
قلت بصوت مرتجف:
— ليان؟
أومأت.
— نعم.
— كيف وصلتِ إلى هنا؟
ابتسمت.
— لم أصل.
نظرت إلى المرأة.
ثم إلى الباب.
— أنتِ التي وصلتِ إليّ.
شعرت بقشعريرة.
— ماذا يعني هذا؟
لم تجب.
وفجأة جاء صوت سليم من خلف الباب:
— سُدرة! ابتعدي عنها!
صرخت:
— لماذا؟!
— لأنها ليست ليان!
التفتُّ إلى الطفلة.
لم تتغير ملامحها.
لكن المرأة التي كانت تقف بجواري بدأت تبكي.
قلت:
— من هي إذن؟
جاء صوت سليم:
— لا أعرف.
— أنت تكذب!
— لو كنت أكذب، لما طلبت منكِ أن تهربي.
فتحت المرأة الباب فجأة.
اندفع سليم إلى الداخل.
كان وجهه شاحبًا.
نظر إلى الطفلة.
ثم تجمد.
قال بصوت خافت:
— مستحيل…
نظرت إليه.
— ماذا؟
لم يجب.
اقترب من الطفلة ببطء.
قال:
— أنتِ…
رفعت الطفلة عينيها إليه.
ثم قالت:
— تأخرت يا سليم.
تراجع خطوة.
— من أخبرك بهذا الاسم؟
ابتسمت.
— أنت.
ساد الصمت.
ثم التفتت الطفلة إليّ.
— أمي، لا تصدقيه.
شعرت بأن الأرض اختفت من تحتي.
— لماذا؟
قالت:
— لأنه في المرة الأولى…
وتوقفت.
— أي مرة؟
نظرت إلى سليم.
ثم قالت:
— هو الذي جعلك تنسين.
اتسعت عيناي.
نظرت إليه.
— هل هذا صحيح؟
لم ينكر.
فقط أغمض عينيه.
— نعم.
شعرت بالغضب.
— لماذا؟!
قال:
— لأنكِ كنتِ ستقتلين نفسك لو تذكرتِ.
— ماذا كنت سأعرف؟
صمت.
صرخت:
— ماذا كنت سأعرف؟!
رفع عينيه إليّ.
وقال:
— أنكِ أنتِ من طلبتِ مني أن أنساكِ.
— أنا؟
— نعم.
— لماذا؟
اقترب خطوة.
— لأنكِ كنتِ تعرفين أنكِ ستصبحين أمًّا.
نظرت إلى الطفلة.
— ليان؟
هز رأسه.
— لا.
توقفت.
— ماذا تقصد؟
قال:
— ليان ليست ابنتك.
الطفلة بدأت تبتسم.
أما المرأة، فكانت تبكي بصمت.
قلت:
— إذن من هي؟
نظر سليم إلى الساعة.
6:13.
ثم قال:
— الشخص الذي سيجعل كل شيء يبدأ من جديد.
رن هاتفي.
رسالة جديدة.
من ليان.
فتحتها.
كان مكتوبًا:
> «أمي، لا تصدقي سليم عندما يخبرك أنني لست ابنتك.»
ثم وصلت رسالة أخرى مباشرة:
> «ولا تصدقي المرأة عندما تخبرك أنها جاءت من المستقبل.»
ثم رسالة ثالثة:
> «لأنها ليست من المستقبل أصلًا.»
رفعت عيني.
المرأة كانت تنظر إليّ.
سألتها:
— من أنتِ؟
لم تجب.
اقتربت منها.
— من أنتِ؟!
رفعت رأسها ببطء.
وقالت:
— أنا أنتِ.
توقفت.
— ماذا؟
قالت:
— أنا سُدرة… بعد خمسة عشر عامًا.
لم أستطع الكلام.
نظرت إلى وجهها.
ثم إلى يدي.
ثم إلى المرآة القديمة المعلقة على الحائط.
بدأت ألاحظ التشابه.
لم تكن تشبهني فقط.
كانت أنا.
لكنها كانت أكبر سنًا.
وأكثر تعبًا.
وعلى يدها…
كان هناك خاتم.
نفس الخاتم الذي كنت أراه في الصورة القديمة.
قلت:
— لماذا جئتِ؟
اقتربت مني.
وضعت يدها على كتفي.
وقالت:
— لأنكِ في هذه الليلة ستتخذين قرارًا واحدًا…
ثم نظرت إلى سليم.
— وسيغيّر حياة ثلاثة أشخاص.
سألت:
— من؟
قالت:
— أنتِ…
ثم أشارت إلى سليم.
— هو…
ثم نظرت إلى الطفلة.
— وهي.
سألت:
— ماذا سيحدث؟
أجابت:
— ستفتحين الباب.
نظرت إلى الباب الخشبي خلفها.
— وماذا يوجد خلفه؟
ابتسمت ابتسامة لم أفهمها.
ثم قالت:
> «المكان الذي بدأت فيه قصتك… والمكان الذي ستنتهي فيه قصتي.»
مدّت يدها إليّ.
وفي راحة يدها كان هناك شيء صغير.
صورة.
أخذتها.
نظرت إليها.
كانت صورة لثلاثتنا.
أنا.
وسليم.
وليان.
لكن الصورة لم تكن من عام 2041.
كان التاريخ مكتوبًا أسفلها:
16 سبتمبر 2026.
أي…
اليوم.
وفي الخلفية كان الباب الخشبي مفتوحًا.
وعلى عتبته شخص رابع.
رجل لم أرَ وجهه.
قلبت الصورة.
كانت هناك جملة واحدة:
> «لا تبحثي عن الرجل الذي يقف خلف الباب… لأنه يبحث عنكِ منذ ولدتِ.»
رفعت رأسي.
لكن سليم لم يعد موجودًا.
ولا الطفلة.
ولا المرأة.
كنت وحدي.
أمام الباب.
والمفتاح النحاسي في يدي.
ثم سمعت صوتًا من الداخل:
— سُدرة…
صوت طفل.
— أخيرًا عدتِ.
وضعت المفتاح في القفل.
وقبل أن أديره…
ظهر على الخشب من الداخل شيء يشبه الكتابة.
ثلاث كلمات فقط:
«أنتِ لم تولدي.»
تجمدت.
ثم ظهرت كلمة رابعة ببطء:
«بعد.»
يتبع…
![]()
