ﺟﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻤﻴﻞ ...
IMG 20260928 WA0001

 

 الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد

 

أما أوريال…

 

فواصلت حياتها كالمعتاد.

 

دون أن يعرف سكانها أن شيئًا ما قد بدأ يتحرك تحت النظام الذي وثقوا به طوال حياتهم.

 

لكن في ذلك المنزل البعيد عن مراكز الحركة، لم تعد الحياة عادية.

 

جلس الرجل أمام الشاشة المطفأة.

 

لم يتحرك.

 

لم يحاول لمسها.

 

لم يحاول حتى إغلاقها.

 

كان ينظر إلى المكان الذي ظهرت فيه الجملة قبل ثوانٍ:

 

هل ما زلت تتذكر؟

 

ثم الجملة الأخرى:

 

إذن لماذا تذكرت؟

 

كانت عيناه ثابتتين.

 

وكأن الشاشة لم تعرض كلمات…

 

بل فتحت بابًا كان قد أمضى سنوات طويلة يحاول إغلاقه.

 

رفع الرجل يده ببطء، ووضعها على صدره.

 

قال الرجل:

 

— لا يمكن…

 

ثم نظر حوله.

 

لم يكن في الغرفة أحد.

 

قال الرجل:

 

— هذا النظام توقف منذ زمن.

 

جاءه صوت هادئ من داخل المنزل:

 

— أي نظام؟

 

تجمد الرجل.

 

التفت بسرعة.

 

لم يكن الصوت صادرًا من الشاشة.

 

بل من نظام المنزل نفسه.

 

اقترب الرجل من الجدار.

 

قال الرجل:

 

— لم أسألك.

 

أجاب النظام:

 

— لكنك تحدثت.

 

قال الرجل:

 

— أغلقي كل الأنظمة.

 

ساد الصمت.

 

ثم انطفأت الإضاءة.

 

وتوقفت أجهزة التهوية.

 

وتوقفت النوافذ الذكية عن تغيير درجة الشفافية.

 

حتى الساعة المعلقة على الجدار اختفت أرقامها.

 

أصبح المنزل مظلمًا تمامًا.

 

قال الرجل:

 

— هل تسمعينني؟

 

لم يجب أحد.

 

تنفس ببطء.

 

ثم قال:

 

— جيد.

 

جلس مرة أخرى.

 

لكن قبل أن يلتقط أنفاسه…

 

اشتعلت الشاشة.

 

ظهرت عليها كلمة واحدة:

 

كذبت.

 

تراجع الرجل.

 

قال الرجل:

 

— من أنت؟

 

ظهرت كلمة أخرى:

 

أنت تعرف.

 

قال الرجل:

 

— لا أعرف شيئًا.

 

ظهرت الجملة:

 

أنت فقط نسيت.

 

وفجأة…

 

انطفأت الشاشة.

 

هذه المرة لم تعد.

 

ظل الرجل واقفًا في الظلام.

 

ثم همس:

 

— كان يجب أن يظل كل شيء نائمًا.

 

—

 

في الجانب الآخر من أوريال، كان إيلان يسير في أحد الممرات المضيئة عائدًا إلى منزله.

 

كانت المدينة في تلك الساعة تدخل مرحلة الهدوء الليلي.

 

تغلق المتاجر بعض واجهاتها.

 

تتحول بعض الساحات إلى مساحات هادئة.

 

وتعيد الأبراج ترتيب واجهاتها وفقًا لحركة السكان.

 

لم يكن هناك ضجيج.

 

لا ازدحام.

 

لا إشارات مرور.

 

كل شيء يتحرك بانسجام دقيق.

 

لكن إيلان كان يشعر بشيء مختلف.

 

منذ حديث نيراف في المقهى، لم يستطع التخلص من فكرة واحدة:

 

هل يمكن أن تكون أوريال أكبر مما يعرفه سكانها؟

 

لم يكن السؤال منطقيًا.

 

أوريال كانت أمامهم.

 

مدينة ضخمة معلقة فوق السحب، يعرف سكانها قطاعاتها ومناطقها وأنظمتها.

 

ومع ذلك…

 

لماذا كان هناك قسم قديم في الأرشيف لا يحمل تاريخًا؟

 

ولماذا وجدت ليارا شيئًا لا يستطيع النظام تحديده؟

 

ولماذا كان نيراف ينظر إلى السحب وكأنه ينتظر منها شيئًا؟

 

قال إيلان لنفسه:

 

— أنت تفكر أكثر من اللازم.

 

توقف.

 

ثم ضحك وحده.

 

قال إيلان:

 

— هذه ليست طريقتي أصلًا.

 

لكن عندما رفع عينيه…

 

رأى شيئًا غريبًا.

 

كان أحد الأبراج البعيدة يعيد تشكيل واجهته.

 

عادةً كانت العملية تستغرق ثوانٍ قليلة.

 

لكن هذه المرة…

 

توقفت إحدى واجهات البرج في منتصف التحول.

 

بقي جزء منها مضيئًا.

 

والجزء الآخر مظلمًا.

 

ثم عادت للعمل.

 

نظر إيلان إليها.

 

قال إيلان:

 

— ماذا حدث؟

 

لم يجبه أحد.

 

فأكمل طريقه.

 

—

 

في منزل آخر، كانت سيرا جالسة أمام نافذة غرفتها.

 

وضعت يدها على الزجاج الشفاف.

 

فانفتح أمامها عرض المدينة بالكامل.

 

من مكانها، كانت ترى أوريال وكأنها مدينة من الضوء.

 

الممرات الزرقاء.

 

الأبراج.

 

المركبات الصامتة.

 

الساحات.

 

الحدائق المعلقة.

 

كل شيء بدا مثاليًا.

 

لكن سيرا لم تكن تنظر إلى المدينة.

 

كانت تنظر إلى الأرشيف.

 

فتحت جهازها الشخصي.

 

ظهرت أمامها الملفات المسموح لها بها.

 

ثم كتبت:

 

الملفات القديمة.

 

ظهرت عشرات النتائج.

 

بحثت عن:

 

النسخة 0.

 

لم يظهر شيء.

 

حذفت كلمة.

 

كتبت:

 

بداية أوريال.

 

ظهرت نتائج كثيرة.

 

لكنها كانت جميعًا متشابهة.

 

تاريخ البناء.

 

تطور الأنظمة.

 

مراحل التوسع.

 

تأسيس قلب النور.

 

تطور النقل.

 

تطور التعليم.

 

تطور الطاقة.

 

ثم توقفت.

 

كانت هناك نتيجة واحدة مختلفة.

 

لم تحمل عنوانًا.

 

فقط رقم:

 

000000

 

حدقت سيرا فيها.

 

قالت سيرا:

 

— هذا مستحيل.

 

مدت يدها.

 

لكن قبل أن تضغط…

 

ظهر تحذير:

 

هذا الملف غير موجود.

 

سحبت يدها.

 

اختفى الرقم.

 

ظهر مكانه أرشيف المدينة الطبيعي.

 

قالت سيرا:

 

— أنا رأيته.

 

ثم اقتربت من الشاشة.

 

قالت سيرا:

 

— أنا متأكدة أنني رأيته.

 

وفي اللحظة نفسها…

 

وصلتها رسالة من نيراف.

 

أريد أن أسألك عن شيء.

 

ترددت.

 

ثم كتبت:

 

ماذا؟

 

جاء الرد بعد ثوانٍ:

 

هل الأرشيف يخبركم بكل شيء؟

 

نظرت سيرا إلى الرسالة طويلًا.

 

ثم كتبت:

 

لماذا تسأل؟

 

ظهرت علامة الكتابة.

 

اختفت.

 

ظهرت مرة أخرى.

 

ثم جاء الرد:

 

لأنني وجدت شيئًا لا ينبغي أن يكون موجودًا.

 

توقفت سيرا عن التنفس للحظة.

 

كتبت بسرعة:

 

أين؟

 

لم يصل الرد.

 

انتظرت.

 

ثانية.

 

ثانيتين.

 

دقيقة.

 

ثم ظهر:

 

انسَي أنني قلت شيئًا.

 

اختفت الرسالة.

 

لكن سيرا لم تنسَ.

 

—

 

في مركز الطاقة، كانت ليارا قد عادت إلى عملها.

 

أغلقت كل الملفات القديمة.

 

وأعادت تشغيل الأنظمة.

 

عادت الأضواء.

 

عادت الشاشات.

 

عاد قلب النور إلى نبضه الطبيعي.

 

كل شيء بدا سليمًا.

 

دخل أحد المهندسين إلى الغرفة.

 

كان اسمه رِيان.

 

قال ريان:

 

— ليارا، هل حدث شيء؟

 

نظرت إليه.

 

قالت ليارا:

 

— لماذا؟

 

قال ريان:

 

— لأن النظام سجل توقفًا في بعض الوحدات.

 

قالت ليارا:

 

— مجرد خلل مؤقت.

 

نظر إليها ريان.

 

قال ريان:

 

— خلل مؤقت؟

 

قالت ليارا:

 

— نعم.

 

قال ريان:

 

— في قلب النور؟

 

لم تجبه.

 

اقترب منها.

 

قال ريان:

 

— ليارا، أنا أعمل هنا منذ سنوات، ولم أرَ قلب النور يتوقف حتى لجزء من الثانية.

 

قالت ليارا:

 

— لم يتوقف.

 

قال ريان:

 

— إذن ماذا حدث؟

 

نظرت إليه.

 

ثم قالت:

 

— لا أعرف.

 

ساد الصمت.

 

وكانت تلك الجملة كافية لتجعل ريان أكثر قلقًا.

 

قال ريان:

 

— أنتِ لا تقولين “لا أعرف” كثيرًا.

 

قالت ليارا:

 

— لأنني عادة أعرف.

 

قال ريان:

 

— وماذا ستفعلين الآن؟

 

نظرت ليارا إلى قلب النور.

 

قالت ليارا:

 

— سأبحث.

 

قال ريان:

 

— في ماذا؟

 

قالت ليارا:

 

— في شيء لا أعرف إن كان يجب أن أبحث عنه.

 

قال ريان:

 

— هذا ليس جوابًا.

 

قالت ليارا:

 

— لأنه ليس سؤالًا بسيطًا.

 

ثم أغلقت الشاشة أمامه.

 

لكن ريان لم يغادر.

 

قال ريان:

 

— ليارا…

 

التفتت إليه.

 

قال ريان:

 

— قبل أن أخرج، أريدك أن تعرفي شيئًا.

 

قالت ليارا:

 

— ماذا؟

 

قال ريان:

 

— منذ دقائق، وصلتني إشارة من قسم الطاقة السفلي.

 

تغير وجه ليارا.

 

قالت ليارا:

 

— أي قسم؟

 

قال ريان:

 

— القسم الذي لا نستخدمه.

 

سكتت.

 

قالت ليارا:

 

— ماذا قالت الإشارة؟

 

قال ريان:

 

— لم تكن رسالة.

 

قالت ليارا:

 

— إذن ماذا كانت؟

 

اقترب ريان منها وقال:

 

— كانت نبضًا.

 

ثم أضاف:

 

— ثلاث نبضات فقط.

 

قالت ليارا:

 

— وما شكلها؟

 

نظر إليها.

 

وقال:

 

— نفس شكل النبض الذي ظهر قبل قليل داخل قلب النور.

 

تجمدت ليارا.

 

قالت ليارا:

 

— هل سجلتها؟

 

قال ريان:

 

— نعم.

 

فتح التسجيل.

 

ظهرت ثلاثة خطوط على الشاشة.

 

نبضة.

 

ثم نبضة.

 

ثم نبضة.

 

كانت كلها زرقاء.

 

لكن بين النبضة الثانية والثالثة…

 

ظهر جزء صغير جدًا من إشارة مختلفة.

 

لون خاطف.

 

نفس اللون الذي رأته ليارا.

 

اقتربت من الشاشة.

 

ثم قالت:

 

— كبّرها.

 

كبرت الإشارة.

 

مرة.

 

ثم مرة ثانية.

 

ثم ثالثة.

 

تحول الخط إلى شكل واضح.

 

لم يكن مجرد نبض.

 

كان نمطًا.

 

قال ريان:

 

— ما هذا؟

 

لم تجبه ليارا.

 

كانت تحدق في النمط.

 

لأنها أدركت شيئًا أخطر.

 

هذا الشكل…

 

لم يكن جديدًا.

 

لقد رأته من قبل.

 

في الملف القديم.

 

الملف الذي لم يكن له صاحب.

 

الملف الذي يحمل النسخة:

 

0

 

قالت ليارا بصوت منخفض:

 

— هذا ليس تسجيلًا.

 

قال ريان:

 

— ماذا؟

 

قالت ليارا:

 

— إنها رسالة.

 

وقبل أن يسألها ريان عن معنى كلامها…

 

تغيرت الشاشة بالكامل.

 

ظهرت كلمات جديدة.

 

لم تأتِ من أي نظام معروف.

 

لم تكن من قلب النور.

 

ولم تكن من الأرشيف.

 

كانت رسالة مباشرة.

 

ثلاث كلمات فقط:

 

نحن نتذكركم.

 

ثم اختفت.

 

وفي اللحظة نفسها…

 

في مكان آخر من أوريال…

 

فتح الرجل المجهول عينيه.

 

وكأنه سمع الرسالة دون أن تصله.

 

وقال:

 

— بدأوا يتذكرون.

 

ثم ابتسم للمرة الأولى.

 

لكن ابتسامته لم تكن ابتسامة فرح.

 

كانت ابتسامة شخص أدرك أن الشيء الذي خاف منه طويلًا…

 

لم يعد نائمًا.

 

بل استيقظ بالفعل.

 

انتظروا الجزء القادم

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *