ﺟﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻤﻴﻞ ...
IMG 20261003 WA0007(3)

 

الكاتبه مروة جمال

 

 

 

كان المقعد الأخير في الحافلة هو المكان الوحيد الذي يختاره كل صباح.

 

يجلس بجوار النافذة، يضع حقيبته الصغيرة على ركبتيه، وينظر إلى الشوارع وهي تتبدل أمام عينيه دون أن يقول شيئًا.

 

اعتاد الركاب وجوده حتى صار جزءًا من الطريق.

 

رجلٌ مسنّ يحمل جريدة، امرأةٌ تصطحب طفلتها إلى المدرسة، شابٌّ ينام طوال الرحلة، وهو… ذلك الرجل الذي يجلس دائمًا في المقعد الأخير.

 

ذات صباح، صعدت طفلة صغيرة إلى الحافلة، وكانت تبكي.

 

جلست بجواره، ومسحت دموعها بكمّ معطفها.

 

سألها بهدوء: — مالكِ؟

 

قالت: — بابا وعدني إنه هييجي ياخدني من المدرسة النهارده… بس بابا دايمًا بيوعد ومابيجيش.

 

ابتسم الرجل لأول مرة منذ وقت طويل، وقال: — يمكن النهارده ييجي.

 

هزت رأسها: — لأ… بابا مات من سنتين.

 

صمت الرجل.

 

نظر إلى النافذة، وكأن المدينة كلها اختفت فجأة.

 

ثم أخرج من حقيبته قطعة حلوى ومدّها إليها.

 

— خدي.

 

قالت: — مش عايزة.

 

— وأنا كمان زمان ماكنتش عايز أصدق إن اللي بنحبهم ممكن يمشوا… بس اتعلمت إنهم لما يمشوا، بيسيبوا لنا حاجة نكمل بيها.

 

نظرت إليه باستغراب: — ساب لك إيه؟

 

ابتلع الرجل غصته وقال: — ساب لي سبب إني أصحى كل يوم.

 

وصلت الحافلة إلى المدرسة.

 

نزلت الطفلة، ثم عادت مسرعة وأعطته رسمة صغيرة.

 

كانت الرسمة لرجل يجلس بجوار نافذة، وبجانبه طفلة تبتسم.

 

قالت: — دي عشان ماتحسش إنك لوحدك.

 

تجمدت عيناه بالدموع.

 

ومنذ ذلك اليوم، لم يعد الرجل يجلس في المقعد الأخير.

 

صار يجلس بجوار النافذة في أي مقعد يجد فيه طفلًا حزينًا، أو شخصًا يبدو أنه يحتاج إلى كلمة.

 

فقد اكتشف متأخرًا أن بعض الناس لا يُنقذوننا من الحزن…

 

بل يمنحوننا سببًا صغيرًا يجعلنا نواصل الطريق رغم الحزن.

 

وفي صباحٍ جديد، صعد إلى الحافلة طفلٌ آخر، جلس بجواره وقال:

 

— عمو… إنت بتضحك ليه؟

 

ابتسم الرجل وقال:

 

— عشان لسه عندي وقت أفرّح حد.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *