الكاتبه مروة جمال عاشقة القهوة
مرت الأيام، ثم الشهور، وأصبح وجود الرجل في حياة آدم جزءًا من تفاصيله اليومية.
كان آدم يجلس إلى جواره كل صباح، يحكي له عن دروسه وأحلامه، وكان الرجل يستمع إليه باهتمام.
وفي أحد الأيام، لاحظ آدم أن الرجل لم يعد يصعد إلى الحافلة بسهولة. كان يصعد ببطء، ويتوقف لحظات قبل أن يجلس، ثم يبتسم وكأن شيئًا لم يحدث.
سأله آدم: — هل أنت مريض؟
أجاب الرجل: — قليلًا، وستمر.
لكنها لم تمر.
بعد أسابيع، أصبح الرجل يتعب من أقل مجهود. وأحيانًا كان يضع يده على صدره ويغلق عينيه، بينما يراقبه آدم في صمت.
وفي صباح ممطر، لم يستطع الرجل الصعود إلى الحافلة وحده.
مدّ آدم يده إليه، وساعده حتى جلس.
قال الرجل وهو يحاول التقاط أنفاسه: — يبدو أنك بدأت تكبر يا آدم.
قال آدم بقلق: — يجب أن تذهب إلى الطبيب.
ابتسم الرجل: — سأذهب.
ثم سأله آدم: — وهل سيعالجك؟
نظر الرجل من النافذة وقال: — ربما… لكن بعض الأمراض لا تمنح أصحابها وقتًا كافيًا.
لم يفهم آدم الجملة تمامًا، لكنه لم ينْسَها.
بعد أيام، اختفى الرجل.
ثم عاد بعد أسبوع.
كان وجهه شاحبًا، وجسده أضعف من ذي قبل.
سأله آدم: — أين كنت؟
قال: — في المستشفى.
— وهل أصبحت بخير؟
ابتسم الرجل، لكنه لم يجب.
جلس آدم إلى جواره، ثم قال فجأة: — عندما أكبر، سأصبح طبيبًا.
التفت الرجل إليه.
— لماذا؟
أجاب آدم: — لأنني لا أريد أن أرى شخصًا أحبه يتألم، ولا أعرف كيف أساعده.
ظل الرجل صامتًا للحظات.
ثم وضع يده على كتف آدم وقال: — إذن كن طبيبًا جيدًا.
— سأكون كذلك.
— لا تكن طبيبًا يعالج المرض فقط. كن طبيبًا يعرف كيف يجلس إلى جوار المريض عندما يخاف.
لم يفهم آدم وقتها لماذا بدت كلمات الرجل وكأنها وصية.
مرت السنوات.
كبر آدم، ودخل كلية الطب.
كان كلما شعر بالتعب، تذكر الرجل.
وكلما وقف أمام مريض خائف، تذكر المقعد الأخير.
وكلما عجز الطب عن إنقاذ شخص، كان يتذكر أن بعض المرضى لا يحتاجون إلى دواء فقط، بل إلى إنسان يبقى إلى جوارهم.
كان يزور الرجل كلما عاد إلى مدينته، لكن الزيارات أصبحت أقل مع مرور الوقت.
ثم جاء اليوم الذي لم يعد فيه الرجل قادرًا على ركوب الحافلة.
وفي آخر زيارة له، جلس آدم إلى جواره في منزله.
كان الرجل مستلقيًا على سريره، ضعيفًا جدًا، لكنه ابتسم عندما رأى معطف آدم الأبيض.
قال: — وصلت إلى حلمك.
أمسك آدم يده وقال: — بفضلك.
هز الرجل رأسه: — لا. أنت الذي وصلت. أنا فقط ذكّرتك بالطريق.
سكت آدم، ثم قال: — أريد أن أعالجك.
ابتسم الرجل بحنان.
— لقد فعلت.
تفاجأ آدم.
— كيف؟
قال الرجل: — عندما كنت طفلًا، كنت تخاف أن تفقدني. والآن أصبحت رجلًا يعرف كيف يساعد الآخرين عندما يخافون من الفقد.
كانت تلك آخر مرة تحدثا فيها.
بعد أيام، مات الرجل.
عاد آدم إلى الحافلة القديمة وحده.
جلس في المقعد الأخير، وأخرج من جيبه قطعة حلوى كان قد اشتراها قبل أن يأتي.
ظل ينظر إليها طويلًا.
ثم ابتسم والدموع في عينيه.
في ذلك اليوم فهم أن الرجل لم يترك له مجرد ذكرى.
لقد ترك له مهنة، ورسالة، وحياة كاملة.
ومنذ ذلك الحين، كلما دخل آدم غرفة مريض، كان يتذكر جملة الرجل:
«لا تكن طبيبًا يعالج المرض فقط… كن طبيبًا يعرف كيف يجلس إلى جوار المريض عندما يخاف.»
ولهذا لم يكن آدم يعالج الناس لأنه اختار الطب فقط.
كان يعالجهم لأن رجلًا مريضًا ذات يوم، في مقعد أخير من حافلة قديمة، علّمه أن بعض الأرواح تستمر في الحياة حتى بعد أن تتوقف قلوب أصحابها عن النبض.
![]()
