ﺟﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻤﻴﻞ ...
IMG 20260924 WA0176

حوار: صفية بن حمزة 

 

 

 

 

زينب بكار، كاتبة جزائرية تخوض تجربتها الأدبية في عالم الرواية، متخذةً من الكتابة مساحةً لاستكشاف أعماق الإنسان، والموضوعات الإنسانية والاجتماعية، والعلاقات المركبة التي تشكّل وجدانه وتؤثر في خياراته ومصيره. وتؤمن بأن الرواية ليست مجرد أداة للترفيه، بل فضاء فكري وإنساني حي، تُطرح فيه الأسئلة الحارقة، وتُناقش القضايا الوجودية والاجتماعية، بما يترك أثرًا عميقًا وممتدًا في وعي القارئ.
وفي هذا الحوار، نقترب من تجربتها الروائية، ونكتشف رؤيتها للكتابة، وما تحمله الرواية من أسئلة تتجاوز الحكاية لتلامس الإنسان في أبعاده المختلفة.
1- كيف كانت بدايتك الأولى مع الكتابة، ومتى شعرتِ أنّها أصبحت جزءًا من حياتك؟
كانت الكتابة موجودة في داخلي قبل أن أقرر أن أكون كاتبة. بدأت بمحاولات بسيطة، نصوص ومشاعر وأفكار كنت أجد نفسي بحاجة إلى وضعها على الورق. ومع الوقت أدركت أنني لا أكتب لمجرد الكتابة، بل لأن هناك أشياء أريد أن أقولها، وأسئلة أريد أن أطرحها، وحكايات أشعر أن من واجبي أن أمنحها حياة. أظن أن اللحظة التي أصبحت فيها الكتابة جزءًا من حياتي فعلًا هي حين شعرت أنني لا أستطيع أن أتخيل نفسي من دونها.
2- هل كان هناك حدث أو شخص معيّن شجّعك على دخول عالم الكتابة؟
لم يكن هناك شخص واحد يمكنني القول إنه دفعني إلى الكتابة، بقدر ما كانت هناك مجموعة من التفاصيل والتجارب التي راكمت داخلي هذا الميل. لكن تشجيع الأشخاص الذين آمنوا بما أكتب كان له أثر كبير في استمراري، خصوصًا في البدايات، حين يكون الكاتب في أمسّ الحاجة إلى من يقول له: استمر، ما تكتبه يستحق أن يُسمع.
3- هل تتذكرين أول نص كتبته؟ وما الذي يمثّله لك اليوم؟
أتذكره، وإن كنت اليوم أراه بعين مختلفة تمامًا. كان يحمل الكثير من العفوية وربما الكثير من الأخطاء أيضًا، لكنه كان صادقًا. ولذلك لا أنظر إليه باعتباره نصًا ناقصًا بقدر ما أراه بداية الطريق. أحيانًا لا تكون قيمة البدايات في جمال ما كتبناه، وإنما في أنها منحتنا الشجاعة لنكتب ما بعدها.
4- برأيك، هل يمكن لأي شخص أن يصبح كاتبًا، أم أنّ الكتابة موهبة لا يمتلكها الجميع؟
أؤمن أن الكتابة تجمع بين الموهبة والممارسة. قد يمتلك الإنسان حسًا لغويًا وخيالًا وقدرة على التقاط التفاصيل، وهذه أمور تساعده كثيرًا، لكن الموهبة وحدها لا تصنع كاتبًا. القراءة، والتجربة، والتدريب، وإعادة الكتابة، وتقبّل النقد، كلها أمور تصقل الموهبة. لذلك أعتقد أن الإنسان يستطيع أن يتعلم الكتابة ويتطور فيها، لكن لكل كاتب صوته الخاص الذي لا يمكن تقليده.
5- هل أثّرت تجاربك الشخصية في كتاباتك؟ وكيف؟
بالتأكيد، فالكاتب لا يستطيع أن يفصل نفسه تمامًا عن نصوصه. حتى عندما لا يكتب عن حياته بشكل مباشر، فإن نظرته إلى الناس والحياة والعلاقات تتشكل من تجاربه وما شاهده وما شعر به. بالنسبة لي، التجارب الشخصية لا تعني بالضرورة أن أروي سيرتي، وإنما أن تتحول المشاعر والأسئلة التي مررت بها إلى فهم أعمق للشخصيات والمواقف التي أكتب عنها.
6- ما أبرز الصعوبات التي واجهتك خلال مشوارك الأدبي؟ وبماذا تنصحين لتجاوز مثل هذه الصعوبات؟
من أبرز الصعوبات أن الكتابة تحتاج إلى صبر طويل، خصوصًا عندما لا ترى نتائج جهدك بسرعة. وهناك أيضًا الخوف من ألا يصل النص إلى القارئ بالطريقة التي تمنيتها، إضافة إلى صعوبة إيجاد الوقت والمساحة النفسية للكتابة وسط مسؤوليات الحياة.
أما النصيحة التي أوجهها فهي ألا يجعل الكاتب الظروف المؤقتة سببًا للتخلي عن مشروعه. قد يتأخر الكتاب، وقد يتعثر النص، وقد لا تأتي النتائج كما توقعنا، لكن المهم ألا نتوقف. وأن يتعلم الكاتب أن يتقبل الملاحظات دون أن يفقد صوته الخاص.
7- كيف تولد فكرة النص لديك؟ هل تأتي فجأة أم بعد تفكير طويل؟
قد تأتي الفكرة في لحظة عابرة جدًا موقف، جملة، شخص، سؤال، أو حتى تفصيل صغير. لكن ولادة الفكرة ليست هي الرواية نفسها. بعد ذلك تبدأ مرحلة طويلة من الأسئلة والتخيل وبناء الشخصيات والأحداث. أحيانًا تأتي الفكرة فجأة، ثم تبقى معي فترة طويلة حتى تنضج بما يكفي لتصبح عملًا كاملًا.
8- هل تعتمدين على روتين معيّن أثناء الكتابة أم تكتبين حسب الحالة المزاجية؟
أميل إلى الكتابة عندما أكون في الحالة المناسبة، لأن الرواية بالنسبة لي تحتاج إلى حضور نفسي وليس مجرد جلوس أمام الحاسوب. لكنني في الوقت نفسه لا أحب أن أجعل المزاج شرطًا دائمًا للكتابة، لأن الكاتب إذا انتظر الإلهام في كل مرة فقد يطول انتظاره. لذلك أحاول أن أوازن بين الإحساس والرغبة في الكتابة وبين الانضباط والاستمرار.
9- لمن تكتبين أكثر: لنفسك أم للقارئ؟
أكتب أولًا لأن لدي شيئًا أريد قوله، لكنني لا أكتب بمعزل عن القارئ. أريد للنص أن يصل، وأن يترك أثرًا، وأن يجد فيه القارئ شيئًا يشبهه أو سؤالًا يدفعه إلى التفكير. بالنسبة لي، أجمل ما يمكن أن يحدث للكاتب هو أن تتحول كلماته من تجربة شخصية إلى تجربة يعيشها القارئ بطريقته الخاصة.
10- ما الوقت الذي ترينه الأنسب للكتابة حسب تجربتك؟
لا أعتقد أن هناك وقتًا واحدًا يناسب الجميع. بالنسبة لي، الهدوء عامل مهم جدًا، ولذلك أميل إلى الأوقات التي تقل فيها المقاطعات والضوضاء. لكن الأهم من الساعة نفسها هو أن أجد مساحة أستطيع فيها أن أنفصل قليلًا عن العالم وأدخل إلى عالم النص.
11- هل يمكن لضغوط الحياة وضجيجها أن تكون سببًا في إبداع الكاتب، أم سببًا قاتلًا لموهبة الكتابة؟
يمكن أن تكون الاثنين معًا. أحيانًا تمنحنا الضغوط مشاعر وتجارب وأسئلة لا يمكن أن تولد في حياة هادئة تمامًا، وقد تتحول هذه الأشياء إلى مادة أدبية غنية. لكنها في المقابل قد تستنزف الإنسان إلى درجة تجعله عاجزًا عن الكتابة. لذلك لا أعتقد أن المعاناة شرط للإبداع، فالكاتب يستطيع أن يخلق من الفرح كما يخلق من الألم.
12- أيّ عمل من أعمالك الأقرب إلى قلبك؟ ولماذا؟
«فصول الياسمين» قريبة جدًا إلى قلبي، لأنها كانت العمل الذي حملني من مرحلة الكتابة إلى تجربة النشر والوصول إلى القراء. وهي أيضًا رواية تحمل الكثير من القيم والأسئلة التي أحببت أن أطرحها، خصوصًا حول العائلة والانتماء والعوض وجبر الخواطر والروابط الإنسانية. والأجمل بالنسبة لي أنني لم أعد أراها ملكًا لي وحدي؛ بعدما وصلت إلى القراء أصبح لكل قارئ علاقته الخاصة بها.
13- ما النصيحة التي تحبين أن توجهيها للكتّاب المبتدئين؟
أقول لهم: اقرأوا كثيرًا، واكتبوا كثيرًا، ولا تستعجلوا الوصول. لا تجعلوا النشر هو الهدف الوحيد، بل اجعلوا بناء الكاتب داخلكم هو الهدف. اكتبوا لأن لديكم ما يستحق أن يُقال، وتعلموا من النقد، ولا تقارنوا بداياتكم بنهايات الآخرين. والأهم: لا تخافوا من أن يكون لكم صوتكم الخاص.
14- في النهاية، هل تظنين أنّه ما زال في وقتنا الحالي من يقرأ الكتب، أم أنّ تطور التكنولوجيا والإنترنت قضى على القراء، وأصبحت الكتب للزينة فقط؟
القارئ لم يختفِ، لكنه تغيّر. التكنولوجيا لم تُنهِ القراءة، بل غيّرت طريقة الوصول إليها. اليوم يمكن للقارئ أن يقرأ كتابًا ورقيًا أو إلكترونيًا، وأن يتعرف إلى كاتب من خلال منصة رقمية، وأن يكتشف كتابًا لم يكن ليصل إليه سابقًا.
وأنا أرى أن الكتاب لا يمكن أن يكون مجرد زينة، لأن الكتاب الحقيقي يترك شيئًا في الإنسان بعد أن يغلق صفحاته. قد تتغير الوسائل، وقد تتغير عادات القراءة، لكن حاجة الإنسان إلى الحكاية والمعرفة والتأمل ستبقى. وربما التحدي الحقيقي اليوم ليس أن نجعل الناس يقرأون فقط، وإنما أن نقدم لهم كتبًا تجعلهم يرغبون في مواصلة القراءة

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *