الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد
لم يتحرك آدم في الظلام.
ظل جالسًا أمام مكتبه، ويداه ثابتتان على حافة المقعد، بينما كانت عيناه تحاولان التعود على العتمة.
لم يكن انقطاع الكهرباء في حد ذاته أمرًا غريبًا.
مبنى الأرشيف قديم، والأسلاك في الطابق الثالث سبق أن تعطلت أكثر من مرة.
لكن صوت الورقة الذي سمعه قبل انطفاء الأنوار لم يكن من النوع الذي يمكن أن يتجاهله.
كان واضحًا.
قريبًا.
وكأنه جاء من داخل الظرف الأسود الموجود أمامه.
مد يده إلى هاتفه وأضاء المصباح.
عاد المكتب إلى دائرة صغيرة من الضوء.
الظرف ما زال في مكانه.
مغلقًا.
لم يتحرك.
اقترب آدم منه، لكنه لم يفتحه.
كان يعرف أن أول قاعدة في التعامل مع دليل مجهول هي ألا تفعل الشيء الذي يبدو أن الدليل يريد منك أن تفعله.
أخرج هاتفه مرة أخرى.
اتصل بليان.
لم تجب.
حاول مرة ثانية.
لا شيء.
فتح الرسائل.
كتب:
“إنتِ فين؟”
أرسلها.
ظهرت علامة الإرسال.
ثم اختفت إشارة الشبكة للحظات.
نظر آدم إلى شاشة هاتفه.
10:49.
ثم رفع عينيه إلى الساعة المعلقة على الحائط.
10:47.
تجمد.
انتظر قليلًا.
عادت عقارب الساعة إلى الحركة.
كانت تشير إلى 10:48.
ثم 10:49.
نظر إلى هاتفه.
10:50.
اقترب من الساعة الحائطية.
كانت متأخرة دقيقة واحدة فقط.
شيء بسيط.
خطأ عادي.
لكنه لم يعد يثق في الأشياء العادية.
أمسك كرسيًا ووضعه أسفل الساعة.
صعد.
أنزلها من مكانها.
وجد البطارية في الخلف.
كانت جديدة.
أخرجها.
تحركت العقارب بضع ثوانٍ ثم توقفت.
أعاد البطارية.
ضبط الساعة على الوقت الموجود في هاتفه.
ثم نزل.
لم يستطع تفسير سبب شعوره بأن شخصًا ما كان يريد منه أن يلاحظ هذه الدقيقة تحديدًا.
عاد إلى الظرف.
ظل مغلقًا.
لكن هذه المرة لاحظ شيئًا لم يره من قبل.
على الحافة الخلفية للظرف أثر خفيف من مادة شفافة.
مرر إصبعه بالقرب منها دون أن يلمسها.
شريط لاصق.
الظرف لم يُغلق بالطريقة العادية.
كان قد أُغلق ثم فُتح ثم أُعيد إغلاقه.
وهذا يعني أن شخصًا ما فتحه قبل أن يصل إلى مكتبه.
فكر في الاحتمالات.
موظف في الأرشيف.
شخص لديه مفتاح.
شخص يعرف نظام المبنى.
أو شخص لم يحتج إلى الدخول أصلًا.
توقف.
رفع رأسه.
النافذة.
كانت النافذة خلف مكتبه مغلقة.
لكن القفل لم يكن في وضعه الطبيعي.
اقترب منها.
فتحها قليلًا.
دخل هواء بارد.
نظر إلى الخارج.
الطابق الثالث مرتفع بما يكفي لجعل الدخول من النافذة شبه مستحيل.
إلا أن المبنى المقابل كان قريبًا.
قريبًا جدًا.
بين المبنيين ممر ضيق يستخدمه عمال الصيانة.
ظل آدم ينظر إليه.
ثم لاحظ شيئًا فوق الحافة الخارجية للنافذة.
أثر حذاء.
واحد فقط.
لم يكن واضحًا بما يكفي لمعرفة صاحبه.
لكنه كان جديدًا.
أغلق النافذة.
لم يكن يريد أن يطارد أثرًا واحدًا قبل أن يعرف لماذا تركه صاحبه.
عاد إلى مكتبه.
في تلك اللحظة، عادت الكهرباء.
اشتعلت المصابيح دفعة واحدة.
رمش آدم عدة مرات.
ثم نظر إلى الظرف.
كان في مكانه.
لكنه لم يعد مغلقًا بالكامل.
الحافة العلوية ارتفعت قليلًا.
تراجع آدم خطوة.
لم يقترب.
ظل يراقبه.
ثم رن هاتفه.
هذه المرة لم تكن ليان.
كان رقمًا مجهولًا.
نظر إلى الشاشة.
ترك الهاتف يرن.
توقف الاتصال.
بعد ثوانٍ وصلته رسالة.
فتحها.
لم يكن فيها سوى رقم واحد:
“11:40”
رفع آدم عينيه إلى الساعة.
10:53.
بقي سبع وأربعون دقيقة.
لكن قبل أن يضع الهاتف على المكتب، وصلته رسالة ثانية.
هذه المرة لم تكن من رقم مجهول.
كانت من ليان.
“ما تفتحش الظرف.”
قرأها آدم ببطء.
ثم كتب:
“إنتِ فين؟”
جاء الرد بعد ثوانٍ:
“في البيت.”
توقف.
قرأ الرسالة مرة أخرى.
ثم اتصل بها.
أجابت فورًا.
“إنتِ فعلًا في البيت؟”
“آه.”
كان صوتها هادئًا.
لكن آدم لاحظ شيئًا.
كانت تتحدث ببطء أكثر من المعتاد.
قال:
“مين اللي سأل عني؟”
صمتت.
“ليان.”
“مش عارفة.”
“كان معاه صورة ليا.”
“أنا ما شفتش الصورة كويس.”
“بس قلتي كان معاه صورة.”
سكتت مرة أخرى.
قال آدم:
“إنتِ شوفتيها.”
لم تجب.
كان يستطيع سماع صوت تلفاز بعيد في الخلفية.
ثم صوت كوب يوضع على سطح.
قالت:
“آدم، اسمعني. ما تروحش للمبنى اللي في الصورة.”
تغيرت ملامحه.
“إنتِ عرفتي المبنى منين؟”
صمت.
لم يعد هناك صوت تلفاز.
ولا صوت حركة.
فقط تنفسها.
قال آدم ببطء:
“أنا ما قلتلكيش إن فيه مبنى في الصورة.”
انتهت المكالمة.
ظل الهاتف في يده.
هذه المرة لم يشعر بالخوف.
شعر بشيء أسوأ.
الشك.
لم يكن يعرف هل ليان تخفي عنه شيئًا لأنها تعرف أكثر مما تقول، أم لأنها تحاول حمايته من شيء لا تفهمه.
لكن هناك حقيقة واحدة لم يستطع تجاهلها.
ليان لم تكن قد رأت الصورة الثانية.
ومع ذلك عرفت المبنى.
اقترب آدم من الظرف الأسود.
هذه المرة لم يكن مترددًا.
مد يده.
ثم توقف.
لم يفتحه.
بدلًا من ذلك، أخرج القفاز الأبيض الموجود في درج مكتبه، وارتداه.
رفع الظرف من أطرافه.
لاحظ أن وزنه أخف مما توقع.
لم يكن بداخله ملف.
ربما ورقة واحدة.
ربما صورة.
ربما لا شيء.
قلب الظرف.
وجد على ظهره علامة صغيرة جدًا.
دائرة سوداء يتوسطها خط أفقي.
عرف العلامة.
لم يكن يعرف من أين.
لكن ذاكرته التقطتها قبل أن يفكر.
رآها من قبل.
في ملف قديم.
ملف لم يكن يخص يوسف مراد.
ملف يخص حالة أخرى اختفت منذ سبعة عشر عامًا.
والمشكلة أن صاحب تلك الحالة لم يكن مفقودًا.
كان قد مات.
قبل يوسف بيومين.
نظر آدم إلى الساعة.
10:58.
ثم إلى الظرف.
ثم إلى العلامة.
وفي اللحظة التي قرر فيها فتح درج الملفات القديمة للبحث عن تلك العلامة، سمع صوت المفتاح يدور في باب الطابق الثالث.
كان أحدهم قد دخل.
ولم يكن صوت المفتاح الرئيسي.
كان مفتاحًا آخر.
مفتاحًا يملكه شخص واحد فقط.
نظر آدم نحو باب الممر.
ثم إلى الظرف الأسود.
ولأول مرة منذ بداية الليلة، عرف أن الشخص القادم لم يأتِ ليأخذ الملف.
لقد جاء ليتأكد من شيء آخر.
شيء موجود على مكتب آدم بالفعل.
انتظروا الجزء القادم
غمضة:
“لم يكن الظرف هو الدليل الذي يخشاه آدم… الدليل الحقيقي كان الشيء الذي لم يلاحظه إلا بعد أن دخل الشخص الآخر.”
![]()
