الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد
ظل آدم ممسكًا بالورقة.
“لو أردت أن تجدني، لا تبحث عن يوسف.”
أعاد قراءة الجملة.
ثم نظر إلى الرقم الموجود أسفلها.
17.
هذه المرة لم يكتب شيئًا في دفتره.
لم يكن يحتاج إلى الكتابة.
كان يعرف أن هناك شيئًا ناقصًا.
شيئًا كان على مكتبه قبل دقائق، واختفى دون أن يلاحظ.
اقترب من سطح المكتب.
الملف الرمادي.
القلم.
الهاتف.
دفتر الملاحظات.
قطعة المشبك المعدنية.
الصورة.
كل شيء تقريبًا كان في مكانه.
إذن ما الذي اختفى؟
أعاد آدم ترتيب الأشياء كما كانت قبل أن يختفي الظرف.
تذكر أنه وضع الصورة الثانية فوق الملف.
ثم وضع قطعة المعدن بجوارها.
ثم بدأ البحث عن الرقم 17.
لم يكن هناك شيء آخر.
إلا كوب القهوة.
رفع الكوب.
فارغ.
وضعه جانبًا.
ثم لاحظ شيئًا على سطح المكتب لم ينتبه إليه من قبل.
دائرة رطبة.
مكان الكوب.
لكن بجوارها كانت هناك علامة أخرى.
خط رفيع يمتد من الدائرة إلى حافة المكتب.
كأن شيئًا مبللًا سُحب فوق الخشب.
تبع آدم الأثر.
وصل إلى حافة المكتب.
ثم إلى الأرض.
لا شيء.
رفع الكرسي.
نظر تحته.
لا شيء.
توقف.
ثم أدرك أن الأثر لا يتجه إلى الأرض.
بل يتجه إلى الجانب الآخر من المكتب.
تحرك حوله.
وهناك وجد درجًا صغيرًا مفتوحًا.
تجمد.
هذا الدرج لم يكن مفتوحًا.
كان متأكدًا.
اقترب منه.
كان درجًا قديمًا يستخدم لحفظ الأوراق الشخصية للموظفين.
فتحه.
وجد بداخله أشياء بسيطة.
بطاقات قديمة.
مفاتيح احتياطية.
دفتر حضور.
ثم وجد مكانًا فارغًا.
كان هناك شيء موضوع هنا ثم أُخرج.
عرفه فورًا.
بطاقة تعريف قديمة.
بطاقته هو.
رفع آدم رأسه.
لم يفهم.
لماذا يأخذ شخص بطاقة تعريفه القديمة؟
أعاد النظر إلى الدرج.
كانت البطاقة محفوظة هنا منذ سنوات، لأنه استخرج بطاقة جديدة بعد تغيير نظام المبنى.
لم تكن البطاقة تحمل أي معلومات مهمة.
اسمه.
صورته.
وظيفته.
وتاريخ إصدارها.
لكن الشخص الذي أخذها لم يكن بحاجة إلى معلوماتها.
كان بحاجة إلى شيء آخر.
قلب آدم الصفحة الصغيرة التي كتب عليها رقم البطاقة.
ثم توقف.
تاريخ إصدار البطاقة كان قبل سبعة عشر عامًا.
لم يكن آدم وقتها قد عمل في الأرشيف.
بل لم يكن قد بدأ عمله أصلًا.
نظر إلى الصورة الموجودة على البطاقة.
ثم إلى تاريخ الميلاد.
كل شيء صحيح.
لكن تاريخ الإصدار غير منطقي.
عاد إلى ذاكرته.
والده هو الذي كان يعمل في الأرشيف في ذلك الوقت.
والده كان موظفًا في قسم السجلات قبل وفاته بسنوات.
آدم لم يفكر في الأمر من قبل.
لم يكن هناك سبب.
لكن الآن أصبح السؤال مختلفًا.
لماذا توجد بطاقة باسم آدم ناصر بتاريخ يعود إلى سبعة عشر عامًا؟
ومن الذي وضعها هنا؟
أخذ آدم هاتفه.
صور البطاقة من مكانها الفارغ.
ثم بحث في نظام الأرشيف عن رقمها.
ظهرت نتيجة.
توقف.
كانت البطاقة مسجلة فعلًا.
لكن ليس باسم آدم.
كانت مسجلة باسم شخص آخر.
قرأ الاسم.
ثم جلس ببطء.
الاسم الثالث.
نفس الاسم الذي وجده قبل دقائق في ملف يوسف.
الشخص الذي لم يكن يعرف لماذا وُضع اسمه هناك.
كان يحمل في السجلات بطاقة تعريف تحمل صورة آدم.
لا.
ليس صورة آدم.
تغيرت الفكرة في رأسه.
الصورة الموجودة في البطاقة كانت صورة آدم.
لكن الاسم مختلف.
وهذا يعني أن شخصًا ما أنشأ هوية داخل الأرشيف باستخدام صورة آدم.
أغلق النظام.
ثم فتحه مرة أخرى.
بحث عن تاريخ الإصدار.
وجد سجلًا أقدم.
اسم الموظف الذي أنشأ البطاقة.
كان اسمًا يعرفه.
موظف سابق في الأرشيف.
اسمه فؤاد سالم.
توقف آدم.
فؤاد سالم توفي منذ ستة عشر عامًا.
أي بعد إصدار البطاقة بعام واحد.
مرة أخرى.
رجل ميت.
سجل قديم.
توقيع.
وبطاقة تحمل صورة آدم.
لكن هذه المرة كان هناك شيء مختلف.
كان هناك اسم موظف ما زال حيًا.
الشاهد على إصدار البطاقة.
آدم قرأ الاسم.
ثم أغلق عينيه.
لم يكن اسمًا غريبًا.
كان اسم مروان حاتم.
مسؤول الأمن.
الشخص الذي خرج من الغرفة قبل دقائق.
نهض آدم فورًا.
أمسك هاتفه.
اتصل بمروان.
لم يجب.
اتصل مرة أخرى.
لا شيء.
فتح آدم كاميرات المراقبة من النظام الداخلي.
ظهرت له غرفة المراقبة.
كان مروان هناك.
واقفًا أمام الشاشات.
ثم انقطع الاتصال.
عاد آدم إلى الورقة.
“لو أردت أن تجدني، لا تبحث عن يوسف.”
فكر طويلًا.
ربما كان الخطأ منذ البداية أنه اعتبر يوسف هو محور القضية.
ربما يوسف كان مجرد شخص ظهر في المنتصف.
لكن من كتب الرسالة لم يقل “لا تبحث عني في مكان يوسف.”
قال:
“لا تبحث عن يوسف.”
فرق صغير.
لكنه قد يكون أهم فرق في القضية كلها.
جلس آدم وفتح ملف يوسف من جديد.
بدأ يقرأ التقرير الأول.
هذه المرة لم يبحث عن اسم يوسف.
بحث عن الأشخاص الذين تعاملوا مع الملف.
موظف الاستقبال.
المحقق الأول.
الطبيب الذي وقع التقرير.
موظف الأرشيف.
الشاهد.
كل الأسماء.
حتى وصل إلى اسم لم يلاحظه من قبل.
اسم موظف كتب في هامش التقرير:
“تم تسليم نسخة من الملف إلى الطرف المعني.”
لا يوجد اسم للطرف المعني.
لكن هناك رقم بجواره.
17.
رفع آدم القلم.
هذه المرة لم يكتب الرقم.
كتب كلمة واحدة:
“نسخة.”
ثم نظر إلى الملف الأصلي.
إذا كانت هناك نسخة من ملف يوسف، فأين هي؟
ولماذا لم تظهر في النظام؟
أعاد البحث.
لا نتيجة.
ثم خطر له احتمال.
الأرشيف المركزي يحتفظ بنسخ ورقية لبعض الملفات الحساسة في مكان مختلف عن الملفات الأصلية.
مكان لا يعرفه إلا عدد قليل من الموظفين.
القبو القديم.
أخذ آدم المفتاح.
وقبل أن يخرج، سمع هاتفه يرن.
رقم مجهول.
أجاب.
لم يتكلم أحد.
ظل صامتًا.
ثم جاء صوت رجل مسن.
“أنت بتدور على البطاقة.”
لم يجب آدم.
قال الرجل:
“لو لقيتها، ما تستخدمهاش.”
“مين حضرتك؟”
سكت الرجل.
ثم قال:
“اسأل مروان عن اليوم اللي اتعملت فيه.”
انقطع الاتصال.
نظر آدم إلى الهاتف.
ثم إلى الباب.
كان يستطيع النزول إلى القبو.
وكان يستطيع البحث عن مروان.
وكان يستطيع الاتصال بالشرطة.
لكنه أدرك أن كل خطوة يقوم بها أصبحت معروفة لشخص آخر قبل أن يقوم بها.
وهنا ظهر أمامه أول شيء يمكن للقارئ أن يلاحظه قبل آدم نفسه.
على الشاشة التي تركها نظام الأرشيف مفتوحة، ظهر سجل دخول جديد.
لم يكن باسم مروان.
ولا باسم ليان.
ولا باسم أي موظف موجود في المبنى.
كان باسم:
“آدم ناصر”
الوقت:
11:27 مساءً.
لكن آدم كان واقفًا أمام الشاشة في اللحظة نفسها.
لم يكن هو من سجل الدخول.
وتحت اسمه ظهر رقم البطاقة المستخدمة.
رقم البطاقة التي اختفت من الدرج.
تراجع آدم خطوة.
لم تعد البطاقة مجرد دليل.
أصبحت وسيلة للدخول باسمه.
وفي اللحظة نفسها، وصلته رسالة من ليان.
“آدم، لو البطاقة القديمة اختفت، اخرج من الأرشيف فورًا.”
قرأ الرسالة.
ثم وصلت رسالة ثانية.
“لأن صاحب البطاقة استخدمها من دقيقتين.”
رفع آدم عينيه إلى شاشة النظام.
التسجيل كان يؤكد ذلك.
لكن المكان الذي تم فيه استخدام البطاقة لم يكن الطابق الثالث.
كان القبو.
انتظروا الجزء القادم
غمضة:
“آدم نازل إلى القبو لأول مرة منذ سنوات… لكنه لن يجد هناك ملفًا ينتظره، بل شيئًا يثبت أن شخصًا ما كان يستخدم اسمه قبل أن يعرف آدم بوجود القضية أصلًا.”
![]()
