الكاتبة منة الله محمد
لم نعد نقرأ كما كنّا…
صرنا نحفظ وجوه الكُتّاب من صورهم، لا من كلماتهم.
نتذكّر الأغلفة، لا الحكايات.
نضغط على “حفظ” ولا نعود… نضع الكتب في قوائم الانتظار، لكنها لا تلامس أرواحنا أبدًا.
السرعة سلبتنا الكثير.
صرنا نعيش بعجلة، نأكل بعجلة، نُحبّ بعجلة، وحتى القراءة… لم تنجُ.
نريد كتبًا تُقرأ في ساعة، ومقالات مُختزلة، وحكايات بلا تفاصيل، بلا عُقد، ولا عمق.
لكن، هل نُدرك ما فقدناه حين تخلّينا عن القراءة؟
فقدنا صوتنا الداخلي، ذلك الذي كان يتمهّل مع كل سطر، يتنفّس مع كل فقرة، ويهدأ حين يُغلق آخر صفحة بشعورٍ من الامتلاء.
فقدنا اللحظة التي كنّا نعود فيها إلى أنفسنا، حين كنّا نقرأ لا لنفهم فقط… بل لنُشفى، ولنحيا.
نحن جيل يعرف كيف يبحث… لكنه لا يعرف كيف يغوص.
نصل إلى المعلومة، نعم. نحفظها؟ ربما. نفهمها؟ نادرًا.
لكن القراءة لم تكن يومًا مجرد معلومة، بل تجربة كاملة:
عيون تسافر، خيال يتمدّد، قلب يُعاد ترتيبه من الداخل، ونفَس يصبح أهدأ رغم ضجيج الخارج.
في السابق، كنّا نُغلق الكتب فنبكي، أو نبتسم، أو نُفكّر.
اليوم؟ نُغلق الشاشة لنفتح أخرى، ننتقل من قصة حزينة إلى مقطع ساخر، ومن مشهد موت إلى ترند راقص… بلا فاصل، بلا شعور.
ما عدنا نملك حتى الهدوء العاطفي الذي يسمح لكتاب بأن يُلامسنا حقًّا.
والمفارقة أنّ الجميع يقول: “أفتقد القراءة”.
لكن لا أحد يجرؤ على إغلاق الهاتف ليعود.
وكأننا نشتاق للحكاية كما نشتاق لشخصٍ رحل، دون أن نملك الشجاعة لطرق بابه من جديد.
القراءة ليست ترفًا، ولا هواية.
إنها فعل مقاومة ناعمة ضد التشتّت، ضد السطحية، ضد زيف العالم.
أن تقرأ، يعني أن تفتح نافذة لنفسك، أن تخرج من ضوضاء الخارج لتدخل إلى هدوءك الداخلي.
اقرأ ببطء، لأنك تستحق أن تعيش ببطء.
افتح كتابًا، ليس فقط لتتعلم… بل لتتذكّر من أنت.
اقرأ، لأن القراءة لا تُغذّي عقلك فحسب، بل تُرمّم ما كسرته السرعة في قلبك.
ربّما لن يُغيّر كتابٌ العالم من حولك،
لكنّه قد يُرمم العالم بداخلك… على مهل، سطرًا بعد سطر.
![]()
