كتبت: منال ربيعي
في درب السالكين، ليس الوصول إلى الله مقامًا يُنال بكثرة الأعمال وحدها، بل بلين القلب واتساع الصدر لما يقضي الله به. والقبول عند الصوفية هو سرّ من أسرار المحبة، لا يُمنح إلا لمن ذاب في الإرادة الإلهية حتى ما عاد يفرّق بين العطاء والمنع، ولا بين البسط والقبض، بل يرى في كل شيء وجه الله. هو أن تُسلم قلبك دون شروط، أن تقول “رضيت” في الذروة كما في القاع، وأن تحتضن أقدارك كما يحتضن العاشق يد الحبيب وإن كانت تُدميه.
القبول لا يعني غياب الألم، بل معايشته بحكمة. هو أن تكون داخل العاصفة، ولا تفقد ثباتك الداخلي. هو أن تعيش الخسارة، لكن لا تفقد المعنى.
أمثلة واقعية مؤلمة تقود للقبول:
١. الأم التي فقدت ابنها الوحيد:
كانت تقول: “كان قلبي بيتًا من نور، ثم انطفأ”. ظلت شهورًا لا تتحدث، لا تأكل إلا قليلاً، وكانت ترفض مواساة الناس. كل شيء يذكرها بطفلها، حتى رائحة ملابسه. لكنها ذات يوم جلست على سجادتها، وبكت من القلب، وقالت: “اللهم إنك لم تأخذ ابني، بل ضممته إليك.”
بعد عامين، أسست دارًا لرعاية الأطفال الأيتام، وسمّته باسم ابنها. كل طفل ضاحك هناك كان شفاؤها. لم تنسَ الوجع، لكنها قبِلته، واحتضنته، وجعلته جسرًا للرحمة.
٢. الشاب الذي خسر كل شيء في مشروعه:
وضع فيه كل مدخراته، وسهر الليالي لأجله. وحين فشل المشروع، خسر بيته وماله، حتى ثقة أهله. انعزل، وشعر أن الحياة تآمرت عليه. لكن صديقًا قديمًا زاره ذات مساء وقال له: “هذا الطريق سدّ لأنه لم يكن طريقك، تعال نبدأ من جديد”.
تعلم الشاب البرمجة، وأصبح لاحقًا مديرًا لتطبيق ناجح. قال بعدها: “لو لم أفشل، لبقيت غارقًا في ما لا يناسبني”. فشلُه كان مؤلمًا، لكنه كان ولادة جديدة.
٣. المرأة المريضة بمرض مزمن لا علاج له:
كانت تحب السفر والمشي، وحين بدأ جسدها يضعف، كرهت المرآة. لكنها بدأت تشارك تجربتها مع المرض على الإنترنت. كل كلمة كتبتها كانت نزيفًا من قلبها، لكنها كانت بلسمًا لغيرها.
القبول لم يشفِ جسدها، لكنه أنقذ روحها.
حلول عملية للعيش في حالة قبول:
١. محادثة الذات بلطف: لا تعنّف نفسك عندما تشعر بالغضب أو الانكسار. القبول يبدأ من الاعتراف بما تشعر به دون خجل.
٢. الكتابة اليومية: خصص دفترًا تكتب فيه كل ما يعجز لسانك عن قوله. هذه الكتابة تُفرغ الألم وتضعه خارجك.
٣. إعادة المعنى للوجع: اسأل دائمًا: “ما الذي يمكن أن يخرج من هذا الألم؟ كيف أجعل منه رسالة؟”
٤. صحبة تعينك لا تجرّك: الجأ لمن يذكّرك بالله لا بمن يشغلك عن جراحك أو يُسخّفها.
٥. تغيير منظورك للقدر: ما يبدو خسارة اليوم، قد يكون نجاتك بعد عام، القبول هو أن تؤمن بهذا وأنت وسط العتمة.
الخلاصة:
القبول ليس استسلامًا، بل وعي. أن تدرك أن وجودك ليس عشوائيًا، وأن كل ما يحدث لك يخصّك، كأنه خُلق لك خصيصًا، لأن روحك تحتاجه لتكتمل. ومن قبِل، وصل، ومن وصل، سلِم، ومن سلِم، أحب.
أن القبول هو أعظم ما يحرر النفس من قيد التوقعات والتذمر. هو نقطة التحول من الانكسار إلى النور. والذين قبِلوا أحزانهم بقلوب مفتوحة، صاروا منارات هادية لغيرهم.
![]()
