بقلم: مريم أشرف فرغلي
هل سأعود إلى وطني؟ وستتحقق الرؤية التي ما تنفك أمي عن إخباري بها فهي تراني بينهم كل يوم في منامها.
نظرتُ مطولًا نحو جدار غرفتي كان علم بلادي مُلتصق بها ابتسمت بألم ومرت بخاطري ذكرى وضعي له في هذا المكان عند وصولي قبل أعوام خَمس.
تمر الآن جميعها على شريط ذكرياتي وددت إخراجه لحرقه ولعنت أوقاتي دون إخوتي ولعنت غربتي التي دون أمي.
حزمت أغراضي جميعها في أكبر حقيبة أمتلكها كأنني أودع الغرفة إلى الأبد رغم ان إجازتي لا تتخطى الشهرين بيوم، خرجت مودعًا أصدقائي في السكن ووقفت كقائد يقف في مقدمة جيشه كأنه يعلم بالفوز المحتوم لهم.
غزة النابضة بحبي الأبدي لها وأمي التى خطى الزمن والحرب على مسامات وجهها فاعتلتها التجاعيد كالطفل الذي أخذ يدون بعبث على ورق فارغ.
أمي وغزة يتنافسان في الحنية.
عند دخولي المنزل الذي تركته منذ أعوام طويلة شعرت بفرحة أخي الأصغر عند رؤيته للملاهي لأول مرة على الهاتف وفرحة أمي عندما رأت حُليها بعد إضاعتها لهم
وفرحة الجندي الذي يعود إلى منزله بعد حربِ دمرت نفسه وفقد جُل أصدقائه فيها، عدت بفرحة لم تسري في قلبي منذ حييت.
كان يومي الأول في فلسطين وفي صالون بيتنا القديم يحاوطني فيه جميع أصدقائي كانت قد أخبرتهم أمي بقدومي وحرصِت على قدومهم أيضًا.
كنت افتقد من بينهم صديقي منذ ان كنت ذا العاشرة كان قد مات شهيدًا في القصف الذي شنه العدو قبل شهور مضت.
رفعنا أيدينا نحو السماء لندعو له حتى قال احد اصدقائي يُدعى (راغب) بصوت مرتفع:
_لنرتقي مثله قريبًا يا الله فداء هذا الوطن
ردد الجميع آمين عدا شخص واحد وهو أنا كنت أنظر له و لجميعهم بفخر صادق وتمعنت كلمته (لنرتقي).
نعم نرتقي لا نمت، وتسللت بعدها ابتسامة راضية لتقف على ثغري ورددت بصوت جَهُور:
_ آمين
كأنهم قد قرأوا ما يجول في نفسي كأنهم قد علموا بعودتي التي لا رجعة لي فيها.
في الماضي اي عندما أغرتني حياة الغرب بملذاتها والحياة الهانئة التي ينعمون بها كنت دومًا اردد لأمي على الهاتف باقتضاب بعد ليل طويل أسهره في البكاء على حالهم:
_أملك الطريقة لخروجكم يا أمي ولنجاتكم ارجوكِ استجيبي لي لكي تعيشي أنتِ وإخوتي في أفضل وضع، صدقيني يا أمي لا أريد سوى أن نعش سويًا ونحلم بغدِ أفضل.
ويتحقق حلمنا كانت أمي تردد جملة واحدة تسفك بي لوضوحها كوضوح الشمس ولكني كنت كالمصاب بمرض او رهاب من الشمس فاركض بعيدًا عن نورها لكي لا أهلك.
(لن أدفن إلا في أرضي يا بُني)
وقتها لعنت العدو ألف مرة وقررت في قرارة نفسي إن عودتي ستكون لكي أُدفن بجوار أمي
عدت للحاضر مع ارتفاع صوت الشباب يرووا مخططاتهم عند هجوم الصهاينه بإندفاع وشغف وصل إلى حد التدفق
مساءًا بعد تناولي لشاي أمي الذي أجزم بأن لا أحد يستطيع أن يقوم بإعداد مشابهه له وكيف يمكنه! فكوبي مملؤ بالقليل من الماءِ والسكر وحبوب الشاي والكثير من الأمان والعطف.
دعاء أصدقائي يوم مجيئي فلسطين قد تحقق وأمنيات أمي قادمة..
أسبوع من الحرب والدمار قضى على من حولنا وتهدم منزلنا كان يحمل بداخله جثة أصغر إخوتي الذي لم يرى من الحياة سوى عدة سنوات.
والذي لم أره إلا عند قدومي فلم يتجاوز السادسة بعد لم يرى أباه ولم يراه أخاه الذي تعهد أن يعوضه لذلك الفقد.
كل من كان جواري وشهِد منزلنا المقصوف قد ركض مسرعًا يزيل الركام ليخرج بجثة أخي الذي لم أكن له أبًا
وقفت مهزومًا ضئيلًا.
أشعر بتلاشي أعضاء جسدي وهروبها بعيدًا أصبحت بعدها هلاميًا رأيت أخي لا بل أشلاء جسد أخي والجميع بجواري يصرخ.
_ إنا لله وانا إليه راجعون
حتى صرخت أمي (في الجنة يا حبيبي في الجنة)
بكيت بعد صراخها بكيت على عجزي وعجزنا جميعًا لسنا المنزل الوحيد الذي قُصِف قصفت آلاف المنازل وما زالت تقصف وكم نحن عاجزون ولا أحد يعلم.
يتمنى العدو أن يفوز في الحرب تلك الحرب الذي صنعها بنفسه ليظفر بنا وبأرضنا الأبية، حربُ صنعها ليزيل برفقتها أحلامنا وحياتنا الطبيعية يتعشم بتدميرنا كعشمِ إبليس في الجنة.
مرت أيام على وفاة أخي، وأختي الكبرى تستلقي جريحة في المشفى الآن.
الجميع يتجه نحو الموت؛ صغار وكِبار في السن عاجزين وقادرين، شباب يحملون الهم بجوار أكفانهم.
الجميع ينتظر وقته فحسب.
أصبحت أحد المسعفين الذين ينقذون الجرحى رغم أني لا أفقه في الطبِ شيئًا، وددت لو كنت طبيبًا لكي أزرع فيهم الأمل والحياة.
بالنهار اركض بالجرحى نحو مراكز الرعاية الطبية وبعدها أجول الأماكن لكي أتي بقوت يومنا.
تصبّرني دعوات أمي الدافئة رغم وجعها الذي ارتسم ملامح وجهها رفقة التجاعيد و روحها التي دفنتها رفقة أحمد (اخي الأصغر).
إنتقلت اختي إلى رحمة الله عصر هذا اليوم وانتقل برفقتها مئتان وخمسون شهيدًا منهم من اتينا بهم لإسعافهم ومنهم من كان يرقد جريحًا معها في احدى غرف المشفى.
تعمق الوجع وحفر حفرةً في داخلي وعاش فيها أصبح الشريط الذي يسكن عقلي ويُعاد كل ثانية يتمثل في دماء وأشلاء وصراخ وحزن فقط.
علمت بعد أيام أيضًا بإرتقاء خمس من اصدقائي في الوقت ذاته وركضت أجول الطرقات للمشفى الذي نقلو فيه.وعندما دخلت كان هناك على مرمى بصري الكثير من الأشخاص ملتفين حول الاكفان جُلت بينهم اردد كلام الله.
(كفن أبيض يعلوه إسم المتوفي) حتى وقع ناظري على إسم صديقي راغب مكتوب بخطِ عريض على إحدى الأكفان ارتميت بجواره أبكي.
_لقد تحققت دعوتك يا راغب لقد تحققت يا صديقي.
أخرجوني بصعوبة بعدما جلست بجوار جميع اصدقائي أودعهم وادعو بداخلي (أنا التالي يا الله)
..
مرت أيام كثيرة أظنها شهور فلم اهتمّ بعدّها ولكني تمنيت فيها لو جلست الخمس أعوام هنا ولم أهرب.
تمنيت لو اعتنيت بأخي وأختي رحمهما الله تمنيت لو أني شاركت أصدقائي الضحك والألم تمنيت لو بت في حضن أمي كل تلك الأعوام.
أحد الصحفيين يردد:
(صباح اليوم في غزة توفى إثنا عشر شابًا بقصف عنيف بالقرب من مشفى المنطقة كانو في طريقهم لإيصال الجرحى، بينهم شابُ لم يتجاوز الخامسة والعشرين.
تعلو ملابسه كلمات يكتب فيها: اسمي مُحمد أحمل غزة وأمي بين أضلعي، وأخبركم بأن جميعنا لم نمت ولكن ارتقينا شهداء)
وبخط أصغر على حافة القميص الذي كنت أرتديه مكتوب
“هذا أنا يا أمي عُدت من غربتي لأدفن بجوارك أو تدفني أنتِ بجواري.”
![]()
