إعداد: خديجة محمود عوض
في عالمٍ تتشابه فيه الأصوات وتضيع فيه التفاصيل، تأتي الكاتبة فريدة النجار لتُحدث فرقًا صامتًا، لا يُدوّي ولكن يُسمع؛ فهي فتاة مُتعددة المواهب لها في الكتابة ملاذًا وشغفًا لا يقبله الصَمت، فتبـوح بما يخطه قلمها بصـوتها الفريد، الرنان.
– لا ترى نفسها كاتبة تُخلع عنها الصفة كما تُخلع معطفًا، بل ترى أن الحرف يسكنها حتى حين تُطفأ الأضواء، وحين تختفي الأوراق من حولها.
– تكتب لأنها تشعر، ولأن ثمة مشاعر لا تُحكى بصوتٍ عالٍ، بل تهمس بها على سطور لا يقرؤها أحد سواها، ومنذ الطفولة، بدأت الكلمات تُداعب خيالها، لكنها لم تُدرك وقتها أنها تصنع ملامح طريق، حتى خطّت أول قصة قصيرة في عامها الجامعي الأول، لتكتشف أن اللغة ليست ترفًا، بل وطنٌ تُقيم فيه كلما ضاقت بها الأمكنة.
– علاقتها بالنص ليست علاقة مبدع بعمله، بل عاشقة بمعشوقها، تنغمس فيه حتى آخر قطرة إحساس، وأحيانًا تكتب ما عاشته، وأحيانًا ما رآه قلبها من زاوية لا يراها سواها، فالنص عندها ليس مجرد انعكاس أو خيال، بل حياة ثالثة تصوغها بخيوط داخلية.
– وحين سألناها عن النقد، ابتسمت كمن ذاق مرارته من قبل، ثم قالت بثبات:”النية تصنع الفارق، يتوقف ذلك على الشخص ذاته، هل هو بحق لديه بعد نظر وفكرة، أم يحب النقد لمجرد كونه نقدًا وحسب!!
وتفصل بين هذا وذاك بكلمات النقد، التي توضح نوعه هدام كان أم بناء.
– أما حلمها الأوسع، فهو أن ترى رواية كاملة تحمل اسمها، مشروعٌ لا يزال في طور التشكّل، لكنها تسقيه كل يوم بقطراتٍ من التجربة والتمرّن، عبر القصص القصيرة التي تراها جسرًا نحو الرواية.
– ثم أضافت رسالتها لكل فتاة، بعثت فريدة برسالة تفيض حنانًا، تقول فيها: “كنتُ مكانكِ يومًا ما، وها أنا أكتب الآن… لا تخشي النور، فالكلمة لا تخون من يصدقها، فقط اكتبي، حتى وإن لم يقرأكِ أحد”.
– وحين سألناها إن كانت الكتابة تُفصل عن هويتها إن سُلب منها القلم، أجابت بثقة: “هي متأصلة في روحي، وليست مرتبطة بأداة”.
– وإن كان لا بدّ من تخليد نص واحد، قالت بأسى مُحب: “لا أستطيع… كل حرفٍ كتبته خرج منّي، من وجعي وفرحي، كيف أُفاضل بين ملامحي؟”.
– وفي النهاية، حين سُمح لقلبها أن يهمس لقارئها برسالةٍ قالت:: “ثق في حلمك، تمسّك به، لا تنصت لليأس، لا تخف من المسافة… فليس هناك مستحيل لمن آمن وسعى”.
– أمَّـا عن شعورها بعد هذا الحوار، قالت بابتسامة راضية: “استمتعت كثيرًا… شعرتُ أنني أتكلم مع جزء خفي من نفسي، وأشكر مجلة الرجوة الأدبية على هذا الحديث المختلف الذي جعلني أراكِتبني من زاوية أخرى”.
هكذا بدت لنا فريدة النجار، امرأة لا تكتب للعرض، بل للحياة، تنسج من الحرف ملجأ، ومن اللغة مرآة، لا تصرخ كي تُسمع، بل تهمس كي تُحس. نُودّعها على أمل أن نلقاها في لقاء قادم، يحمل اسمها وصوتها، وربما شيئًا منّا نحن أيضًا.
مجلة: الرجوة الأدبية
![]()
