...
Img 20250629 wa0144

كتب: منير الدايري

 

 

في مقاله الأخير الموسوم بـ”إنسانيون مفرطون في إنسانيتهم”، يواصل الكاتب والمفكر المغربي صلاح بوسريف مشروعه النقدي الذي طالما اتسم بجرأة الطرح ووضوح الرؤية، مسلطًا الضوء هذه المرة على خطاب سياسي يُفرط في التزيي بقيم لا يمت إليها بصلة: الإنسانية.

 

قناع “الإنسانية” في وجه الحقيقة

 

بعين المثقف الراصد، يفتح بوسريف النار على الحملات الانتخابية المبكرة، التي يصفها بـ”التسخينات خارج الملعب”، حيث يستعير من عالم الرياضة لغة فاضحة تفضح لاعبين “نسوا أن يحزموا أحذيتهم”، في إشارة إلى الفشل الأخلاقي قبل السياسي. هذه المقدمة الهجائية تقود إلى سؤال جوهري: كيف يجرؤ من أفرغ الحياة العامة من معناها، على الحديث عن “الإنسانية”؟

 

يبدو أن بوسريف لا ينتقد الشعار فحسب، بل يُعرّي زيف أصحابه. فحديث بعض السياسين عن جعل “الإنسانية” مفهومًا أساسيًا في التدبير الحكومي، بدا في نظر الكاتب سخرية سوداء ممن “اغتنى، بينما افتقر الشعب”.

 

إنسانية بلا مضمون

 

لا يكتفي بوسريف بالرفض، بل يذهب أبعد، فيخضع المفهوم نفسه للتفكيك، منبهًا إلى أن “الإنسانية” ليست شعارًا خطابيًا، ولا وصفة إعلامية، بل قيمة مُجرّبة في الممارسة. ويرى أن ما يسميه السياسيون بـ”الإنسانية” ليس سوى ترجمة رديئة لمفهوم فرنسي غامض، فقد أصله الفلسفي والاجتماعي، وصار يُستعمل للترويج والتجميل.

 

في سياق المقال، تصبح “الإنسانية” ضحية، لا موضوعًا؛ ضحية لخطاب سلطوي يسطو على القيم لتسويق حضور سياسي فقد مشروعيته الأخلاقية، وهي مفارقة حادة يستخلصها الكاتب من صلب تناقضات الممارسة الحكومية.

 

نيتشه حاضر في الخلفية

 

ما يلفت الانتباه أيضًا هو الاستدعاء الضمني لفكر فريدريك نيتشه، وتحديدًا من خلال العبارة الساخرة “إنسانيون مفرطون في إنسانيتهم”. يوظف بوسريف هذا العنوان بدهاء ليُظهر كيف أن التمادي في تبني قيمة ما دون تمثلها الحقيقي، لا يفضي إلا إلى نقيضها: اللاإنسانية. هذا التناص النيتشوي يضيف إلى النص بعدًا فلسفيًا يرفع من سقف مساءلته الأخلاقية.

 

بلاغة هجائية بصوت مثقف لا يهادن

 

على مستوى الأسلوب، يعتمد بوسريف على بلاغة هجائية ساخرة، تمزج بين اللغة اليومية واللغة المفاهيمية، لتنتج خطابًا مزدوجًا يخاطب النخبة والشارع في آن. الجمل الطويلة، ذات النفس الخطابي المتصاعد، تتيح له تفكيك الشعارات على مهل، وكشف زيفها دون تساهل.

 

إنه خطاب مثقف فاضح، بلغة إدوارد سعيد، لا يساوم ولا يتواطأ مع اللغة الرسمية. هو، كما اعتدناه في أعماله مثل “مضايق الكتابة” و*”الشفاهي والكتابي في الشعر العربي المعاصر”*، كاتب لا ينفصل عن الواقع، لكنه لا يغرق في سطحه.

 

الإنسانية ليست للتسويق

 

يختم بوسريف مقاله بما يشبه المحاكمة الأخلاقية: إذا كانت “الإنسانية” هي القيمة التي تدّعونها، فأين كنتم عندما سُحقت كرامة المواطن؟ هذا السؤال لا يحتاج إلى جواب، لأن الجواب حاضر في التفاوت الصارخ بين الطبقات، في غياب التواصل، في انتفاء العدالة.

 

إنه يذكّر السياسيين بأنهم، ببساطة، ليسوا الحل بل جزء من المشكلة.

 

في الختام: استعادة المعنى من بين أنقاض الخطاب

 

ما ينجزه صلاح بوسريف في هذا المقال ليس فقط نقدًا للخطاب السياسي، بل محاولة لاستعادة المفاهيم الكبرى من أيدي من يُفرغونها من معناها. في زمن تكاثرت فيه الشعارات وتقلصت القيم، يبدو المثقف الحقيقي – كما يجسّده بوسريف – أشبه بمنارة تحذّر من الغرق في بحر البلاغة الفارغة.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *