كتب: حسين العلي
إن كنت تريد أن تحلق مع النسور، فلا يمكنك أن تتسكع مع الغربان
مثل روسي
في هذه الكلمات القليلة،للمثل الروسي فلسفةً عميقةً في التميّز والطموح والتأثير الاجتماعي. إنه دعوة للتأمل في من نختار أن نحيط أنفسنا بهم، وكيف ينعكس ذلك على مسار حياتنا، وأحلامنا، وقيمنا.
في هذا المثل، النسور ترمز إلى الطموحين، العظماء، من يمتلكون رؤى بعيدة المدى، وقوة تحليق في فضاءات المجد. أما الغربان، فهي رمز للركود، والسلبية، والتكرار، وربما لصوت الخراب أو النعيق الذي لا يحمل أملاً.
فمن أراد أن “يحلق مع النسور” أي أن يرقى بنفسه، ويحقق تطلعات عالية، ويسلك طريق التميّز والقيادة لا يمكنه أن “يتسكع مع الغربان”، أي أن يقضي وقته مع من لا يحملون نفس الطموح أو من يستهلكون طاقته في أحاديث عبثية وسلوكيات سلبية تُعيقه عن الانطلاق.
الإنسان يتأثر، شاء أم أبى، بمن حوله. والبيئة التي نعيش فيها ليست مجرد خلفية، بل قوة فاعلة تُشكّل العادات والأفكار والقرارات. فإذا كانت هذه البيئة مليئة بالتشكيك، التخاذل، أو الغيرة، فإنها تقيد الأجنحة وتمنعنا من التحليق، مهما كانت قدراتنا،وكم من شخصٍ موهوب ظل في الظل، لا لضعفٍ في ذاته، بل لأنه لم يغادر حلقة “الغربان” الذين كرّسوا محدودية الطموح في فكره وسلوكه!
المثل لا يدعو إلى التعالي على الآخرين، بل إلى وعي الذات وتحمّل مسؤولية المسار. من يريد أن يصبح ناجحًا في مجاله، أو يرتقي في روحه وفكره، عليه أن يختار من يرافقونه في الرحلة، أولئك الذين يُلهمونه، يدفعونه للأمام، ويتشاركون معه آفاق التحليق.
فلن يسير المرء مع السلبيين ثم يشتكي من ركود الإنجاز، ولن يجلس بين المحبطين ثم يتساءل عن غياب الإبداع.
هذا المثل يمكن أن يُترجم إلى قرارات عملية:
١ـ راجع دائرتك القريبة: هل تُحفّزك أم تُحبِطك؟
٢ـ هل تنفق وقتك مع من يُضيّع وقتك في الشكوى، أم مع من يُلهمك للقراءة والعمل؟
٣ـ هل محادثاتك اليومية ترتقي بك فكريًا وروحيًا، أم تُثقل عليك؟
كل هذه الأسئلة تُذكّرك بأهمية أن تكون أنت النسر أولاً، ثم تبحث عن النسور لترافقهم،ليس مجرد مثل عابر، بل هو قاعدة للحياة تُلخّص أهمية البيئة، ورفقة الدرب، ووضوح البوصلة.
التحليق مع النسور ليس نزهة في نسيم السماء، بل قرارٌ داخليّ، واستعداد لتحمّل مسؤولية العلو. فالنسور لا تهاب الرياح، ولا تبحث عن الراحة، بل تختار العزلة في الأعالي حين يعجز الجميع عن بلوغها. وهذا هو طريق النجاح الحقيقي: وحدة مؤقتة، تعب نبيل، وارتقاء لا يراه العابرون.
وما أكثر من رضوا بأن يكونوا غربانًا، لا لأنهم لا يملكون أجنحة، بل لأنهم اعتادوا الزحف، واختاروا أن يعيشوا تحت ظلال الآخرين. هؤلاء لا يرون النور إلا حين ينعكس على الآخرين، ولا يُتقنون سوى النعيق حين يغني الطامحون.
ماذا يعني أن تكون نسرًا؟
أن تكون نسرًا يعني:
١ـ أن تُؤمن بذاتك حتى حين تُهاجَم.
٢ـ أن تختار الصعود حين يهرب الآخرون إلى الأسفل.
٣ـ أن ترى البعيد وتخطط له، ولا تنشغل بصغائر الأمور.
٤ـ أن تعلّق آمالك في السماء، لا في تراب المديح الزائف.
إن النسور لا تنتظر من يُصفّق لها، بل تنتظر رياح التحدي كي تُحلّق أكثر. وهي لا تُضيع وقتها في جدال مع الغربان، لأنّ أصواتها أعلى، وهمّتها أوسع.
أحيانًا، يكون الصمتُ الطامح أبلغ من ألف حديث. النسر لا يصرخ ليثبت أنه نسر. فقط يحلّق… وحده، وبثقة، وبينما تنشغل الغربان بتجاذب التوافه، يختار هو الصعود في سكون. ولذلك، فإن الطريق إلى المجد لا يعرف الزحام.
فكّر قليلًا…
هل أنت في المكان الذي يليق بأحلامك؟
هل الأحاديث التي تخوضها، والأشخاص الذين ترافقهم، والطرق التي تسلكها… تهيئك للتحليق؟
إن لم يكن، فلا تنتظر عذرًا، ولا تتعلّل بالظروف.
انهض. غيّر. ابتعد.
اقطع علاقات تستنزفك، وازرع أخرى تنبت فيك النور، واختر أن تكون مع النسور، حتى لو مشيت في البداية وحيدًا.
فالوحدة مع القمم، خيرٌ من الصحبة في القاع.
“كن نسرًا، ولا تساوم على جناحيك.
فمن وُلد للطيران، لا يليق به العيش بين الغربان”
![]()
