كتبت: منال ربيعي
لم أكن وليًّا، ولا تلميذًا في حضرة شيخ. كنت فقط إنسانًا يشرب من الحياة كما هي، ينزف من كلّ حب، ويشتاق في كل خيبة، ويحلم، ثم يفيق على مرارة النسيان. لكنّ شيئًا بداخلي، كان طوال الوقت يُنادي. ليس نداءً صريحًا كصوت مؤذن، ولا نداءً هادئًا كنسيم الفجر، بل هو مثل ارتجافة في القلب، حين تسمع لحنًا لا تتذكّر متى سمعته أول مرة، لكن شيئًا فيك يعرفه، يعرفه جيدًا.
كلما صعدت درجة في الحياة، شعرتُ أنني أنزل في نفسي. كلما ازدادت معرفتي، ضاع منّي شيء كنت أعرفه بالفطرة. سافرت لبلادٍ لا تعرفني، قرأت كتبًا لا تشبهني، أحببت نساء لم يرَين فيّ إلا المرآة التي يُردنها، وصادقت رجالًا لم يُمسكوا بيدي إلا ليقودوني في طرقهم، لا طريقي. ثم ذات ليل، بعد خذلان ثقيل، جلست على سطح بيت قديم في قريتي، وحولي لا شيء… إلا النجوم، وصوت الريح، والحنين. هناك فقط شعرت أنني كنت أهرب من نفسي لا إليها. وهناك فقط، سمعت لأول مرة، اسم الله كما لم أسمعه من قبل. لا بلسان المؤذن، ولا بكتب الفقهاء، بل بصوتٍ ناعم داخلي، يتهجّاه كأنه اسم الأمّ الأولى.
بدأت رحلتي. لا بقطيعة، ولا بانقلاب… بل بخطى صغيرة، تركت فيها المجالس الصاخبة، والجدالات الطويلة، وتوجّهت إلى السكوت. في مقام الصمت، فهمت أن الله لا يحب الضجيج، ولا يلتفت لمن يرفع صوته، بل لمن يُنصت. كنت أجلس وحدي، وأسمع الحجارة تتنفس، والشجرة تُصلّي، والماء يحكي. وفي مقام الوحدة، وجدت أنني لست وحدي. كل من أحببتهم، وكل من فقدتهم، كانوا معي، لكن بشكل آخر… داخل دعاء، أو ظلّ، أو حتى في دمعة نزلت دون سبب. أما في مقام الفقر، فقد تخلّيت عن فكرة أن أملك أي شيء. حتى اسمي، تركته وراء ظهري. صرت أقول لنفسي: من كنتُ قبل أن أنادَى بهذا الاسم؟ من كنتُ قبل أن يكتبوا لي شهادة ميلاد؟ من كنتُ قبل أن يعلّقوني على جدران الناس؟ وكلما زدت فقرًا… زادني الله حضورًا.
ثم دخلت مقامًا لا يُكتَب في كتب، ولا يُدرّس في حلقات، ولا يُعلّقه أحد على الحائط. إنه مقام الحنين إلى الأصل. لا هو شوق لمكان، ولا رجوع لزمن، هو حنين إلى أنت… قبل أن تصيرك الحياة. في هذا المقام، ترى الطفل الذي كنتَه، لا، بل ترى النور الذي كنتَه، وترى كم كنت قريبًا من الله، قبل أن تُعلِّمك الدنيا البُعد. وتعرف أن كل الحكاية لم تكن عن الطريق… بل عن الرجوع.
وأقول لنفسي دائمًا، كما قال لي قلبي في أول الطريق: يا هذا، لن تنجو بكثرة الأذكار، ولا بحفظ النصوص، ولا بطول السجود… ستنجو فقط، حين تشتاق بصدق، وحين تعود بنية طفل، وتقرّ بأنك لا تعرف شيئًا، ولا تملك شيئًا، إلا الحنين.
![]()
