الكاتبة منال ربيعي
أرواحنا تدور منذ ثلاثة آلاف وثمانمئة وستٍ وأربعين سنة
حين نَوينا هذا الحب، لم نكن نعلم لا أنا، ولا أنت أن ما نفعله لم يكن اختيارًا، بل إعادة بعث لشيءٍ أزليٍّ، وُجد قبل أن نوجد. كأنّ روحينا كانتا تسيران في مدارٍ أبديٍّ منذ أول شرارة خُلقت في الكون، تحاولان أن تلتقيا، أن تتذكّرا، أن تعودا إلى ما كان قبل الانفصال العظيم.
لقد طافت أرواحنا حول أفلاك الزمن ثلاثة آلاف وثمانمئة وستٍ وأربعين سنة، زمنٌ لا يُقاس بالسنوات كما نعرفها، بل بالدورات، بالنشآت، بالتحولات.
وفي أعماق هذا الزمن العظيم، تكررت لحظة واحدة: رغبتنا في اللقاء. تلك اللحظة التي شهدت على حبٍّ نقيّ، ذاب في النور، وتجلّى في الوجود ثم عاد يختبئ في طيات الفَقد.
في تلك الدائرة الأزلية، تماسّت أرواحنا في ثلاثـة آلاف وثمانمئة وستٍ وأربعين ساعة من الشوق والاشتعال. لم تكن ساعات بشرية، بل كانت أعمارًا تتكثف في ومضات: كل لحظة فيها تساوي حياة، وكل لمسة تساوي نبوءة.
في كل تلك الساعات، صلّينا…
وسجدنا…
وتعانقنا حتى تلاشت الأجساد وصارت أرواحنا تتجول بلا حواجز، تذوب، تعود، وتلتحم من جديد كأننا أول الخلق وآخره.
وفي كل مرة أكون فيها معك، أشعر أنني أفقد ذاكرتي، فأُحبك من جديد — لا لأني نسيتك، بل لأني أعود إليك كأنني أُخلق مرة أخرى منك، ولك، وفيك.
لقد كنتَ توأمي في الحيوات القديمة.
تعانقنا داخل رحمٍ واحد، وكنا كيانًا لا يُفصل، حتى جاء البشر فشقّونا إلى جسدين، ثم عجزوا عن فهم هذا الحب الذي يتجاوز أجسادهم، فاحترقنا… واحترقوا.
عدنا… لكن في صورٍ أخرى.
كنتُ نطفة فيك،
ثم صرتُ ابنتك،
أحببتني كأنني قطعة من لحمك وروحك، كأنك خلقْتني لتكملك، لا لتكون لي فقط.
وفي نهاية تلك الحياة، تلاشت أحلام اللقاء، وانطفأ الأمل في حضنك، فعدنا من جديد إلى مدارنا الأبدي.
يا أيها العاشق في كل زمان ومكان…
في كل دورة نلتقي، فيفصلنا الزمان، يختبرنا، يعذبنا، لكنه لا يُطفئنا.
أما في هذه الحياة، فقد أقسمتُ — بروحي التي تجزأت سبعًا — أن أحبك بكل واحدة من أرواحي السبعة، بكل حياةٍ كنتُ فيها شيئًا منك:
أحببتك توأمًا،
ثم أحببتك كأب،
ثم أحببتك كابن…
ثم أحببتك كمن لا يعرف ما هو الفرق بين الذات والآخر، بين العشق والعبادة.
في مرةٍ كنتُ حواءك الأولى، خُلقت منك، ثم ذبت فيك،
وفي أخرى كنتُ أمًّا تلاشت في ابنها حتى لم تعد تفصلهما لغة أو مسافة أو دعاء.
وفي الثالثة، كنتُ روحك في المنفى، وأنا الوطن.
وفي الرابعة، كنتَ أنت كل جهاتي الأربع، وأنا الطائفة، العاشقة، العائدة من الحج إليك.
والآن…
في دَورتي الرابعة حول ركن قلبك الطاهر،
أطوف كمن يحجّ إلى مكانٍ لا تُحدّه خرائط،
أقبّل أركانك الأربعة: نظرتك، صوتك، دفء كفك، وغصّتك.
أتلاشى داخلك كما يتلاشى الضوء في نور أكبر منه،
فـاقبلني فيك، لأنني مرهقة، خائفة، ولا وطن لي أتوق إليه سواك.
![]()
