...
Img 20250804 wa0004

الكاتب محمود عبدالله

 

إن في التراث الشعبي الكثير من العِبر والحِكم التي يجب أن نتدبّرها، ونحاول أن نفهم المعنى الحقيقي أو الشاهد مما يُقصّ علينا من قصص الأزمان السابقة.

والأمثال الشعبية، وإن كانت مقولات تبدو في ظاهرها بلا مغزى، ولا نجد فيها من اللغة العربية شيء، إلا أنها كثيرة المعاني العميقة.

 

ويُحكى أنه كانت هناك امرأة متزوجة، ولها من الأبناء أربعة، ولها عائلة كبيرة: إخوة وأخوات. وكانت عفيفة النفس، لا تطلب من أحد شيئًا.

فقد كانت الظروف الاقتصادية ضيّقة جدًا، إذ كان زوجها يعمل حطّابًا، وكان رزقه القليل، وكانوا يسكنون إحدى قرى الريف.

وكانت تقوم على تربية الأبناء، وتحاول أن تجعلهم ذوي خلقٍ ودين. وكانت فائقة الجمال، ولها من الصديقات الكثير.

 

فجاءتها إحداهن لتقول لها:

ما الذي يجبركِ على العيش هكذا؟ تستطيعين أن تستخدمي جمالكِ للوصول إلى مستوى أعلى مما أنتِ عليه، ببساطة تتقربين من بيت العمدة أو أحد التجار.

قالت: لا، هذا بيتي، ولن أترك هؤلاء الأطفال، ونحن في عِناية الله.

فقالت لها: ما رأيكِ أن تسافري معي إلى المدينة؟ فهناك الكثير من الأثرياء الذين من الممكن أن نعمل عندهم، وبجمالنا نأخذ منهم ما نريد لننفق على هؤلاء الأطفال.

قالت: لا، لن أذهب إلى مكان، وبالقليل سنعيش، ويجعل الله في رزقنا بركة.

قالت لها: وش فقر، صحيح! براحتك، كنت بقولك كده عشان بحبك.

قالت: الحمد لله على كل حال، وشكرًا على النصيحة.

 

تركتها صديقتها وذهبت في طريقها، وبقيت هذه المرأة على حالها مع أبنائها.

وبعد مرور عشرين عامًا، أصبح أبناؤها في كبرى الجامعات، يافعين نافعين لأنفسهم، ولأمهم، ولأبيهم، وللمجتمع أجمع.

 

وفي يوم، كانت المرأة تسير على قدميها، تسعى لقضاء حاجات أسرتها، فإذا بصديقتها تنزل من سيارتها وتوقفها، وتقول لها:

إزيك؟ أخبارك إيه؟ وأولادك أخبارهم إيه؟ انظري ماذا وصلتُ إليه!

قالت: الحمد لله، بخير حال، والأبناء بخير حال، ومبروك ما وصلتِ إليه. ولكن أخبريني، هل لكِ أبناء؟

قالت لها: لا، ليس لدي أبناء، ولم أتزوج. أنا أعيش بمفردي في هذا النعيم. ولكن أخبريني أنتِ، ما الذي استفدتِه من كفاحك؟

انظري لنفسك، لا ترتدين ملابس جيدة، ومظهركِ ليس بالجميل. قولي لي، ماذا حصلتِ مقابل كل هذا؟

 

قالت:

“لو كان الحمام طار، وسيب ريشه على الحيطان، كان سوّد عشر عمم من التجار.”

 

وتركتها وانصرفت، دون قول أي كلمة بعد ذلك.

 

الشاهد من هذا المثل:

أن المرأة الحقيقية تحافظ على بيتها، ولا تغادره، وتترك أبناءها وزوجها وبيتها لأجل أي شيء.

وترضى بالقليل، ولا تنظر لغيرها. فالحياة ليست طويلة، ولا يبقى للإنسان إلا العمل الصالح.

وخير العمل الصالح للمرأة هو التربية السليمة للأبناء، والمحافظة على بيتها.

الفقر ليس عيبًا، ولكن العيب في فقر النفس.

ولربما المرء يحصل على الكثير من الخير في الآخرة بفقره وصبره على الابتلاءات التي يتعرض لها.

 

وقد قال الإمام علي بن أبي طالب:

 

“`

النفسُ تجزع أن تكون فقيرةً

والفقرُ خيرٌ من غِنىً يُطغيها

وغِنى النفوس هو الكفافُ، فإن أبت

فجميعُ ما في الكونِ لا يكفيها

“`

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *