كتب:حسين العلي
من بين جميع الهبات التي يفيض بها الرحمن على عباده، تظل نعمة الصديق الصادق واحدة من أرقى العطايا وأجلّها. إنها نعمة لا تُشترى ولا تُطلب، بل تأتيك كغيمةٍ مُباركة في صيف الوحدة، وكظلّ شجرة وارفة حين يشتد حرّ الأيام على قلبك وروحك.
الصديق ليس مجرد شخص تتبادل معه الأحاديث والضحكات، بل هو مرآة روحك حين تُعجزك المرايا، وميناء الأمان حين تعصف بك رياح الحياة. الصديق أو الصديقة بعثة سماوية، يرسلها الله لك حين يشعر أنك على وشك الانطفاء، فتدخل حياتك بابتسامة بسيطة، ودفء كلمات، فتنير لك الطرق التي أظلمتها الهموم.
حين تضيق بك الدنيا، وحين لا تجد في الزحام أحدًا يفهم ارتجاف صوتك أو انكسار نظرتك، يراك الصديق بعيونه التي لا تخطئ تفاصيلك، يسمع صمتك، ويقرأ ما بين سطور وجعك. لا يسألك عن التفاصيل، بل يسند قلبك دون أن يطلب إذنًا. إنه هناك، دائمًا، كما لو كان يعلم مواقيت حزنك وساعات انطفائك.
ليس هناك شعور أجمل من أن تعلم أن هناك من يفرح لفرحك، لا حسدًا ولا رياءً، بل حبًا خالصًا في الله. الصديق الحق هو من يرقص قلبه حين يرى ابتسامتك، ومن يربّت على كتفك إذا ألمّ بك تعب، أو خذلتك الدنيا. هو من ينثر بين يديك خبراته، لا ليفتخر بها، بل ليقيك من السقوط الذي سقط فيه مرة. هو من يعطيك من وقته، لا من فائضه، بل من لحظاته الثمينة التي لا يعوّضها شيء.
إنهم أولئك الذين يضعونك في قلوبهم، فيفخرون بك أمام العالم، لا خجلًا، بل حبًا. لا يخشون أن يقولوا: “هذا صديقي… عدتي وزادي، ونوري حين يعمّ الظلام.”
الزمن متقلّب، والوجوه تتغير، والأيام لا تثبت على حال. وحدهم الأصدقاء الحقيقيون من يظلون إلى جوارك حين تتعرّى الدنيا من زينتها، وحين تنكشف لك الحقائق المؤلمة. في حضرة الصداقة الحقيقية، لا تحتاج إلى التجمّل، ولا إلى أن تكون في أبهى حالاتك؛ يكفي أن تكون أنت، بكلّ عثراتك وضعفك، وهم هناك، لا يتزحزحون.
الصديق لا يمد يده ليسحبك فقط، بل ينزل إلى مستنقع حزنك، ويجلس معك، حتى تجد في يده نورًا يهديك إلى الطريق. الصديق لا يخذلك، بل يخذلك أن تُخفي عنه ألمك. لا يخونك، بل يخونك قلبك إن ظنّ أنه سيفعل يومًا.
ولأننا لا نستطيع أن نكافئ الأصدقاء كما يجب، فإن أعظم ما نقدمه لهم هو الدعاء. حين ترفع يديك إلى السماء وتقول من قلبك:
“اللهم لي أصدقاء من أغلى خلقك عليّ، اللهم أشهدك أني أحبهم فيك، فأحبهم، وازرع حبهم في قلوب عبادك الصالحين، واحشرني معهم في جنة النعيم”
فأنت بذلك تقدّم عربونًا من الوفاء الخالص، تضعهم في عهدة الله، وهذا أسمى من كلّ الكلمات.
إذا كان في حياتك صديق أو صديقة، فلا تقل فقط “شكرًا”، بل عِش هذا الامتنان في تفاصيلك اليومية، في حفظ الودّ، وفي الوفاء، وفي تذكّرهم بالدعاء. لأن الصديق الحقيقي لا يتكرر، ولأنهم في زمن السرعة والخذلان قلّة، فتمسّك بهم كما تتمسك بروحك، فهم ليسوا مجرّد أشخاص… بل هم نعمة من الله لا تُقدّر بثمن.
![]()
