...
IMG 20260507 WA0100

 

الكاتبة عاليا عجيزة

 

تذكرة لرحلة العدم: فلسفة السقوط في ملهى الحياة

تحت سماءٍ ملبدةٍ بغيوم الوجوم، حيث يختلطُ الضبابُ بأنفاسِ العابرين، تقفُ مدينةُ الملاهي الكبرى، تلك التي نسميها “الحياة”. ليست مجرد مكانٍ للهو، بل هي طاحونةٌ من المشاعر، ومتاهةٌ من المرايا التي تعكسُ وجوهنا بألفِ شكلٍ وصورة، صُممت ببراعةٍ لتسرقَ منا أعمارنا، ونحن نبتسم، أو ونحن نرتجفُ رعبًا.

دولابُ الحظِّ والوقت

انظر إلى ذلك الدولابِ العملاق (Ferris Wheel) الشاخصِ في الأفق كترسٍ في ساعةٍ كونية لا تتوقف. إنه يمثلُ الصعودَ والهبوطَ اللذين لا مفرَّ منهما. في لحظةٍ، تأخذك العربةُ إلى القمة، حيث تظنُّ أنك لمستَ النجوم، وأنَّ العالمَ بأسرهِ بات تحت قدميك؛ تشعرُ بزهوةِ الانتصار، وتظنُّ أنَّ الضوءَ لن ينطفئَ أبدًا.

لكنَّ قانونَ الملهى صارم، فالمقعدُ الذي رفعك هو نفسه الذي سيهوي بك إلى القاع، ليس لأنك فشلت، بل لأنَّ “الدورة” يجبُ أن تكتمل. في الأسفل، ترى الحقيقةَ مجردةً من بريقِ الارتفاع، وتدركُ أنَّ البقاءَ في القمةِ وهم، وأنَّ النزولَ هو مجردُ فرصةٍ لالتقاطِ الأنفاسِ قبلَ صعودٍ جديد.

أروقةُ الحيرةِ والضوءِ الخافت

على جنباتِ هذا الملهى الكبير، تمتدُّ الممراتُ الخشبيةُ المتهالكة. كلُّ خطوةٍ عليها تصدرُ صريرًا يذكرك بالزمن الذي يتآكل. هناك، عند تلك الزاويةِ المضيئةِ بنورٍ أصفر شاحب، يقفُ “الإنسان” وحيدًا، يراقبُ الظلالَ التي ترسمها أضواءُ الملاهي على الجدرانِ القديمة.

تلك الأضواءُ ليست للهداية، بل هي للزينةِ التي تخفي خلفها ميكانيكا الآلاتِ الصدئة. نحنُ نركضُ خلفَ الألوان، نشتري تذاكرَ لرحلاتٍ وهمية، ونظنُّ أننا نتحكمُ في المسار، بينما نحنُ في الحقيقةِ لسنا سوى ركابٍ في قطارِ الموت (Roller Coaster) الذي يسيرُ على قضبانٍ وضعها القدرُ مسبقًا.

نصرخُ من الخوف، ثم نضحكُ من النشوة، وفي نهايةِ الرحلة، نكتشفُ أننا عدنا إلى نفسِ النقطةِ التي بدأنا منها، لكن بقلوبٍ أكثر تعبًا، وأرواحٍ أكثر نضجًا.

بيتُ المرايا.. وازدواجيةُ الذات

أصعبُ ما في هذا الملهى هو “بيتُ المرايا”. هناك، يواجهُ المرءُ نفسه.

الحياةُ تمنحك ألفَ مرآة، بعضها يجعلك تبدو عملاقًا ممتلئًا بالغرور، وبعضها يقزمك حتى لا تكادَ ترى نفسك.

نضيعُ في ممراتِ التوقعات، ونحاولُ العثورَ على المخرجِ، بينما نصطدمُ بصورنا المتكررة.

الناسُ حولك هم أيضًا زوارٌ في هذا الملهى. تسمعُ ضحكاتهم البعيدة، وترى ظلالهم تحت المصابيح، لكنَّ لكلٍ منهم تذكرته الخاصة، ورحلته التي لا يشبهُ فيها أحدًا.

قد تلتقي بصاحبٍ في عربةٍ واحدة لدقائق، ثم تفرقكما المساراتُ الملتوية، ليبقى صدى صوتهِ معلقًا في هواءِ الليلِ البارد.

السكونُ خلفَ الضجيج

وعندما ينقضي الليل، وتهدأُ ضوضاءُ الآلات، يظهرُ الوجهُ الحقيقي للملهى.

السكونُ الذي يلفُّ المكانَ بعد الرحيل هو الحقيقةُ الوحيدة.

تلك المدينةُ التي كانت تضجُّ بالحياةِ والضوء، تصبحُ هيكلًا معدنيًا باردًا تحت القمر.

الحياةُ، في جوهرها، ملهى كبير نُدعى إليه دون إرادتنا، ونغادرهُ ونحن نتمنى لو ركبنا دورةً إضافية، أو لو أننا لم نُضع وقتنا في الخوفِ من الهبوط. إنها لعبةٌ كبرى، الخاسرُ فيها هو من أخذها بجديةٍ قاتلة نسيَ معها أن يستمتعَ بالرحلة، والرابحُ هو من أدرك أنَّ الأضواءَ ستنطفئُ حتمًا، فقررَ أن يملأَ سماءه بالدهشةِ قبلَ حلولِ الصمتِ الأخير.

خلفَ كلِّ ضحكةٍ في الملهى، حكايةُ دمعةٍ جفت، وخلفَ كلِّ سقوط، صرخةُ ميلادٍ جديد.

 

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *