...
Img ٢٠٢٥٠٨٠٧ ٢١٤٧١١

الكاتب حسين العلي

ثمة لحظات في عمر الإنسان لا يكون فيها سيدَ نفسه. لحظاتٌ تسقط فيها الأقنعة، وتنهار فيها حصون التماسك، ويهوي فيها التوازن من أعلى صروحه إلى الهاوية. لحظات ينسحب فيها النور من العين، ويخفت وهجُ الوعي، وتتحول النفس إلى ساحة معركة تئنّ فيها العقول تحت وقع العاصفة.
ذلك هو الغضب،
الريحُ الهوجاء التي لا تستأذن،
والعتمةُ المباغتة التي تُطفئ مصباح العقل، كما تُطفئ الريحُ شمعةَ المسافر في ليل الصحراء.

ليس الغضب مجرد شعورٍ عابر، بل هو كيان قائم بذاته، روحٌ متمردة تنهض من الأعماق حين يُجرَح الكبرياء، أو يُنتهك الصبر، أو يُستفَزّ القلب. هو ذلك الزائر الثقيل الذي لا يقرع الباب، بل يقتحمه، ليتربع على عرش الإنسان، ويسحب البساط من تحت العقل، ثم يمضي به إلى حيث لا قرار.

الغضب لا يُناقش، بل يزمجر.
لا يُصغي، بل يصيح.
لا يفكّر، بل يثور.
هو لحظة تغيب فيها اللغة، ويعلو فيها الصراخ، وتتكسر فيها البلاغة على صخرة الانفعال.

وفي تلك اللحظة، لا يعود الإنسان كائنًا ناطقًا بالعقل، بل يصبح كائنًا منفعلًا بالغريزة، تقوده قوة خفية تُشبه الريح العاتية التي لا تفرق بين الجدار والزهرة، ولا بين العدو والحبيب.

إن العقل نور. لا، بل هو المصباح المعلّق في دهاليز القلب، يُضيء للإنسان دروبه، ويهديه حين يضيع، ويرشده حين تتنازعه الأهواء. ولولا هذا المصباح، لكنا في العتمة، نصطدم بما حولنا، ونكسر ما نحب، ونؤذي من نحب، ثم نقف في آخر الطريق نتساءل: من الذي أطفأ النور؟

حين يدخل الغضب، ينطفئ كل شيء.
تصبح الكلمات سكاكين، والعيون شررًا، والصمت ضجيجًا.
حين نغضب، لا نسمع سوى صدى قلوبنا وهي تضرب جدران الصدر.
ولا نرى سوى نارٍ تشتعل في الأعماق، تلهبُ اللسان، وتخدرُ الحكمة.

العقل، في لحظة الغضب، لا يموت، بل يُغمى عليه. يُغلق عينيه، ويعقد ذراعيه، ويترك المسرح لتلك الريح السوداء تعبث بالمشهد كما تشاء. وما إن تهدأ العاصفة، حتى يستفيق العقل، ويجد أمامه أطلالًا… كلماتٍ قيلت، ووجوهًا جُرحت، وقلوبًا تصدّعت، ثم يهمس في حزن: “ليتني كنت هناك… ليتكم لم تطفئوني.”

ما أقسى لحظات الندم التي تعقب الغضب.
حين نعود إلى أنفسنا، كمن يعود إلى بيتٍ قد احترق، نبحث بين الرماد عن بقايا ما كنا عليه، ونكتشف أن الريح لم تطفئ المصباح فقط، بل بعثرت الأوراق، وأسقطت الصور من الجدران، وفتحت نوافذ الحزن على مصراعيها.

ويا لَقسوةِ اللحظة التي نهمس فيها: “لم أكن أقصد…”
لكن الكلمات، حين تخرج من فم الغضب، لا تعود،
والقلوب، حين تُخدش، لا تلتئم بكلمة اعتذار.
الخراب، حين يقع، لا يَعرف ما إذا كان صاحبه غاضبًا أم حزينًا…
الخراب فقط يكتب اسمه، ويمضي.

ليس الكمال في ألا نغضب،
بل في أن نعرف متى نغضب، وكيف نغضب، ولماذا نغضب.
فالحكيم لا يُنكر الغضب، لكنه يُروضه، كما يُروّض الفارسُ حصانه الجموح.
يضرب إذا ضُرب الحق، ويحتد إذا سُحق الضعيف، لكنه لا يثور لنزوة، ولا يشتعل لأجل كِبْر.

الحكيمُ لا يسمح للريح أن تطفئ المصباح، بل يصون الشعلة داخل فانوس القلب، يحميها بالكظم، بالصمت، بالصلاة، بالتأمل.
يعرف أن الكلمة، إن خرجت في لحظة غضب، قد تكون سهمًا لا يُسترد،
وأن النظرة، إن رماها بعين الغيظ، قد تقتل حبًّا نشأ في سنين.

في عالمٍ يزداد فيه الضجيج، وتتكاثر فيه الاستفزازات، يصبح ضبط النفس فنًا راقيًا، لا يتقنه إلا من عرف نفسه، وجرّب السقوط، وذاق مرارة الانفعال، وندم بما فيه الكفاية.

في وجه الغضب، ليس كل ردّ بطولة.
أحيانًا يكون الصمت هو الردّ الأبلغ، كما تفعل الأرض حين تهطل عليها عاصفةٌ من المطر… لا تجادل، لا تحتجّ، فقط تمتصُّ الألم، وتحوّله بعد حين إلى نبتة.

فلماذا لا نكون مثل الأرض؟
نُمهل أنفسنا لحظة. نبتعد عن فورة الدم، عن جمر اللسان، عن رغبة القصاص.
نؤجل الكلمات حتى تنضج،
نؤخر الغضب حتى نفهم إن كان يستحقّ أن يولد.

فكم من غاضبٍ قضى عمره يزرع الشوك، فقط لأنه لم يعرف كيف يضبط إيقاع قلبه؟
وكم من إنسانٍ خسر أعزّ الناس، لأنه لم يصبر دقيقة واحدة؟
دقيقة… فقط دقيقة، كانت كفيلة بإنقاذ المصباح من انطفائه.

فدعنا إذًا نُمسك بزمام هذه الريح،
ونحفظ المصباح مشتعلاً،
لأن العالم مظلمٌ بما يكفي…
ولا يحتاج إلى مزيدٍ من الأنوار المنطفئة.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *