الكاتبة منال ربيعي
للإنسان نسبان؛ نسبٌ من الطين والماء تحفظه الدواوين وتشهد عليه العيون، ونسبٌ من النَّفَس والنور، لا يحفظه إلا الله، ولا يراه إلا قلب تهيأ للشهود.
أصل النسب الروحي هو النَّفَس الأول الذي خرج من الصدر في لحظة حضور حقيقي مع الله؛ حضور لم تصنعه الكلمات، بل سالت فيه دمعة من موضع لا يعرفه الجسد. من هذا النَّفَس تناسلت جميع الأنفاس اللاحقة، فبقي منها ما حافظ على العهد، وضاع منها ما انجرف في أسواق الغفلة.
أم هذا النسب هي النية؛ إن كانت نقية أخرجت نسلًا طاهرًا، وإن اسودت بالهوى أنجبت أنفاسًا مظلمة. أما الجدة الكبرى فهي الحياء من الله؛ الحياء الذي يمنع إخراج نَفَس عكر في كون تملؤه أنفاس الأنبياء والأولياء.
تتفرع هذه السلالة إلى أنواع؛
أنفاس العابدين التي تصعد كالطيور نحو سماء الذكر.
أنفاس الشاكرين التي تعود إلى الصدر مبللة بندى الحمد.
أنفاس العشاق التي تحوم حول العرش قبل أن تمس الأرض.
أنفاس التائبين التي تحمل رايات بيضاء وإن كانت أثوابها ممزقة.
أنفاس المجاهدين التي تكتم الغضب حتى لا تجرح قلبًا.
أنفاس المرضى التي تمتزج فيها الآهات بذكر الله.
أنفاس الضائعين التي تتوه في الأسواق ولا تجد بيتها الأول.
يُشبَّه الاعتناء بالنسب الروحي برعاية الأم لأبنائها؛ مراقبة دائمة، لمسة تتحسس حرارة النَّفَس، علاجٌ لما أصابه حُمّى الغفلة، وحضانةٌ للنَّفَس الطاهر في حضن النور. وقد يتشابك هذا النسب مع أنساب أخرى غير مرئية، حيث تتعانق الأنفاس في صمت، ويتبادل أصحابها السلام بلا كلمات، في فضاء داخلي تحفه شمس الذكر وقمر الحياء وكواكب الحب.
النسب الروحي لا يثبت في وثائق الأرض، بل يُسجَّل في كتاب الله. من حفظه عاش في صحبة ولو كان وحيدًا، ومن أضاعه عاش غريبًا ولو كان بين أهله.
ومعرفة هذا النسب تبدأ بالسؤال: ليس “من أبي وأمي من لحم ودم؟” بل “من أبي وأمي من نَفَس ونور؟” حينها تُعرَف الأنفاس الصالحة، وتُردّ التائهة إلى بيتها، ويُطهَّر المريض بماء الحمد، وتُقرَن العاشقة بالذكر، لتُنجب سلالةً من أنفاسٍ متصلةٍ بيوم اللقاء
![]()
