...
Img ٢٠٢٥٠٨١٢ ٢١٢٥٣٩

الكاتب:محمود عبد الله 

ذات يوم خرج أحد الأشخاص ليتصدق بصدقة جارية يستفيد بها الناس وتُكتب له عند الله، ولكنه لم يكن يعرف أين يضع تلك الصدقة. وأراد أن يأخذ بعض آراء الأشخاص المقربين إليه، فأشار عليه أحدهم أن يبني مسجدًا، وأشار آخر بأن يضع كولدير ماء في الشارع الذي يقيمون به، وقال آخر أن يضعها في المساجد وهم يتصرفون بها، فيما رأى آخر أن يفرقها على الناس ليستفيدوا بها.

فاحتار الرجل، وحاول أن يتدبر في الأمور التي عرضت عليه، فرأى أنه إذا بنى مسجدًا ـ والمساجد كثيرة والمصلون قليلون الآن ـ بالإضافة إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: “جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا”.

وفي فكرة وضع الكولدير، رأى أن الناس الذين يسكنون في الشارع الذي يقيم به يشربون الماء داخل بيوتهم، ولا يحتاجون لشرب الماء من الكولدير.

أما في وضعها في المساجد، فقد تذهب إلى أعمال لا يحتاجها الناس أو تقع في أيدي أشخاص من فاسدي الذمم.

وفي تفريق صدقته على الناس، رأى أن ذلك يفتح بابًا من أبواب العُجب والرّياء.

وفي وسط هذا وذاك، تحيّر الرجل، ولكنه أعمل عقله في إخراج صدقته بأن يبحث عن الأولى ليضع صدقته فيه.

أولًا وأخيرًا، صدقتك ستحسب لك عند الله، ولكن عليك أن تجتهد لإيصال الصدقة لمستحقها حقيقة، لتكون له ذات منفعة وتكون لك أجرًا كبيرًا عند الله سبحانه وتعالى.

يعطينا فقه الأولوية التفكير في عمل العبادات وأيها أفضل أن يقوم بها العبد ليحصل بها على أكبر قدر من طاعة الله. وفي ذلك من الآيات الكثير التي تبرهن لنا أن نبحث كثيرًا عن الشيء الأعلى أجرًا لنفعله ابتغاء مرضاة الله.

فقد قال الله تعالى:

 “أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر”

هنا أفضلية وأولوية للإيمان على السقاية وتعمير المسجد الحرام، والكثير من الآيات تعطينا دلائل على ذلك.

وقد قال الصحابة لسيدنا عمر بن الخطاب: “أنكسو الكعبة بالحرير”، فقال لهم: “إطعام جائع خير من كسوة الكعبة بالحرير والبراقع”.

لماذا إذن لا نعمل بفقه الأولوية في زمن كثر فيه الفقر؟

لماذا نتسابق لبناء المساجد وزخرفتها ووضع الكثير من الترفيه فيها، كوضع المكيفات والوسائد الفخمة والأنوار المبهرجة، في موضع هو في الأساس موضع انكسار وتذلل من العبد لربه؟

لماذا يوجد في كل شارع مسجدان يقابل أحدهما الآخر، ويحدث تشويش بينهما في الأذان والخطب؟

هل ليقال: مسجد فلان، أم هو عمل ابتغاء مرضاة الله؟

إن ما يثبت أن الناس على صلة بربهم ليس كثرة المساجد، ولكن كثرة المصلين،“فالمساجد كثيرة والمصلون قلائل”

لابد من التدبر والتفكر وإعمال العقل في أداء العبادات التي نبتغي أن نتقرب بها من الله، وخصوصًا الصدقات. فالصدقة التي تبتغي بها مرضاة الله عليك أن تسعى جاهدًا لتصل إلى المكان الحقيقي الذي ينبغي أن تصل إليه.

 

فرد الضرر مقدَّم على جلب المنفعة، وإن كان هناك منفعة من بناء مسجد، فإن رد الضرر عن الغارمين أو المحتاجين أفضل في هذه الحالة.

 

فكم من غارم وغارمة تدمرت حياتهم وحياة أسرهم، وكم من محتاج اتجه إلى السرقة لسد حاجته، وكان أولى أن تُعطى له الصدقة لتعفه عن ذلك.

 

ولا شك أن سقيا الماء باب من أبواب الخير الذي حثنا عليه المصطفى صلى الله عليه وسلم، ولكن ليست بوضع كولدير ماء في الشارع الذي تعيش فيه، بل بالبحث عن المناطق التي لم يصل إليها الماء في الأساس، والمساعدة في توصيل المياه إليهم، أو وضع كولدير ماء في مكان يحتاج الأشخاص فيه فعلًا للتزود بالماء، على طرق السفر أو ما إلى ذلك.

 

اجتهد ولا تتكاسل، واعلم أنك تؤجر على اجتهادك في البحث عن الأولى الذي ينبغي أن تطيع الله فيه.

 

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *