...
Img ٢٠٢٥٠٨١٣ ٢٢٣٣٥٨

الكاتب المبدع حسين العلي 

تخيّل أنك تمشي في سوق قديم، مليء بالأحجار بأحجام وألوان مختلفة. بعضها صلب ولامع، وبعضها متآكل وهش. تمرّ بين هذه الأحجار، وربما تلمس بعضها بإعجاب، وربما تتجاهل بعضها الآخر. لكنها، في جوهرها، تنتظر من يختارها بعين معماري ماهر ليصبح منها بيتًا أو جدارًا أو قوسًا عظيمًا. هكذا هي الكتب، هكذا هي المعرفة: تنتظر قارئًا يلتقطها، يفكر فيها، ويضعها في موضعها الصحيح في عمارة عقله.

 

في تاريخ الفكر الإنساني، كان الكتاب دومًا هو الأداة الأهم لحفظ الأفكار وتوريثها. لكنه، في جوهره، لا يختلف عن حجرٍ موضوع على الأرض؛ لا قيمة له إلا بقدر ما يُستفاد منه في البناء. كثير من الأحجار تظل قرونًا في أماكنها لا تحرك ساكنًا، وكثير من الكتب تظل على الرفوف لا تغير من مصائر عقول أصحابها.

 

لقد شهد التاريخ قراءً اكتفوا بجمع الكتب كما يجمع البعض الأحجار الكريمة؛ ينظرون إليها بإعجاب، وربما يتباهون بامتلاكها، لكنهم لم يضعوا حجرًا واحدًا في جدار فكرهم. وعلى النقيض، وجدنا عقولًا عظيمة كانت تمتلك مكتبات صغيرة، لكنها أحسنت استخدام كل كتاب فيها كحجر في معمارها الداخلي؛ سقراط لم يكتب حرفًا واحدًا، لكنه بنى فكره من الحوار، وديكارت لم يقرأ كل كتب عصره، لكنه جعل من قراءاته لبنات فلسفة جديدة، وابن خلدون لم يكتفِ باستيعاب كتب من سبقه، بل جعلها مواد خام لبناء علم الاجتماع.

 

القارئ الفعّال يشبه البنّاء الماهر؛ لا يكفيه أن تتوفر له الحجارة، بل يبحث عن طريقة لدمجها في بنية متماسكة. هو يدرك أن كل كتاب، مهما كان بسيطًا، يمكن أن يكون لبنة في جدار أو دعامة لسقف أو حتى حجر زاوية. لكنه أيضًا يعرف أن البناء يتطلب خطة، وأن وضع الحجر في غير موضعه قد يضعف الهيكل كله.

 

هنا يظهر الفرق بين القارئ العابر الذي يلتقط العبارات كما تلتقط اليد الرمال، وبين القارئ الفعّال الذي يعيد ترتيب ما قرأه، يختبره، ويبحث عن مكانه في بنيان عقله.

 

الكتاب ليس مجرد جسم جامد؛ إنه حجر حيّ، مشبع بأفكار وتجارب إنسانية. لكن هذه الحياة لا تُنقل للقارئ إلا إذا أضاف إليها من ذاته. فالفكرة في الكتاب مثل الحجر في يد النحات: تحتاج إلى إعادة تشكيل حتى تنسجم مع معمار الروح والعقل.

 

إن الكتب التي نقرأها ولا نفكر بها، هي أحجار مكدسة في زاوية مظلمة، بينما الكتب التي نهضمها ونحوّلها إلى أفكارنا الخاصة، تتحول إلى أعمدة وقباب، تجعل من عقولنا مدنًا نابضة بالحياة.

 

كل كتاب هو حجر، لكن الأحجار وحدها لا تصنع بيتًا، كما أن النصوص وحدها لا تصنع عقلًا. وحده القارئ الفعّال الذي يقرأ بعين الناقد، ويختبر بعقل الفيلسوف، ويعيد الصياغة بروح المبدع هو من يبني بيتًا في عقله، بيتًا يزداد صلابة كلما أضيفت إليه لبنة، ويزداد جمالًا كلما صُقل حجر جديد.

 

الكتب كثيرة، والحجارة مبعثرة، لكن قيمة المعرفة لا تُقاس بعدد الكتب التي قرأناها، بل بعدد البيوت التي شيدناها بها في عقولنا. القارئ الفعّال لا يكتفي بجمع الحجارة، بل يبني بها بيتًا يقف أمام رياح الجهل، ويظلّ شامخًا ما دام صاحبه يضيف إليه حجرًا جديدًا كل يوم.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *