...
66206a58e90075d4115cfc5ed6bba768

الكاتبة منال ربيعي 

في سهول بابل وأكد وأور، حيث يلتقي دجلة بالفرات، نشأت حضارة كانت تعرف أن النهر يمنح الحياة، لكنه لا يمنح الخلود. هناك، بين قصور من الطين ومعابد تعانق السحاب، وُلدت أول أسطورة كبرى عن الإنسان والبحث عن المعنى… أسطورة جلجامش، الملك الذي أراد أن يكون أبديًا، فانتهى به الأمر إلى أن يصبح حكيمًا.

 

جلجامش، نصفه إله ونصفه بشر، كان يظن أن قوته تكفي ليهزم الموت. عبر الصحارى والجبال والبحار، وواجه الوحوش والظلمات، وذهب إلى أقاصي الأرض بحثًا عن سر الخلود. لكنه حين وجد نبتة الحياة، سرقها منه ثعبان الليل، فعاد إلى مدينته أورك خالي اليدين، ممتلئ القلب باليقين. أدرك أن الخلود ليس في الجسد، بل في العمل الذي يتركه الإنسان، في الجدار الذي يبنيه، في الكلمة التي ينقشها، في الأثر الذي يظل حيًّا في ذاكرة الناس.

 

هكذا علّمت بلاد الرافدين أبناءها أن الحياة لا تُعاش بخوف من نهايتها، بل بامتلاء لحظاتها. كانوا يعرفون أن الجسد سيعود إلى الطين الذي صُنع منه، لكن الاسم يمكن أن يعيش إذا حُفظ في الكلمة. ولهذا، حين كان المصري ينحت على الحجر ليدوم الأثر إلى الأبد، اختار البابليون والسومريون الطين، لأنه أقرب إليهم، لينقشوا عليه أخبارهم وقوانينهم وأحلامهم.

لم يكن ذلك ضعفًا أمام الزمان، بل اعترافًا صريحًا بأن الكلمة هي الخلود الحقيقي، وأن ما يُكتب يمكن أن يولد من جديد كلما قرأه أحد.

 

لقد خلدوا قوانينهم على الطين، وأفعالهم في الواقع. قوة ملوكهم لم تكن حبرًا على جدران المعابد، بل كانت في المدن التي شيّدوها، والجيوش التي سارت تحت راياتهم، والأسواق التي امتلأت بالغلال، والسفن التي جابت الخليج، والقلاع التي صمدت أمام الغزاة.

 

وهنا استحقت بلاد الرافدين لقب “أبو الدنيا”. فالأب الحقيقي لا يكتفي بأن يَعِد أبناءه بالجنة في الآخرة، بل يجهّزهم ليواجهوا الدنيا بقوة وحكمة، ويزرع فيهم القدرة على البناء والنهضة، حتى إذا رحل، ظلوا واقفين في وجه الزمان. هكذا كانت حضارة العراق؛ أعدّت أبناءها من الملوك والقادة والجنود والتجار والعلماء، ليكونوا أقوى في ساحة الحياة، ويصنعوا تاريخًا لا يُمحى.

 

وبينما كان الزمن يلتهم الممالك ويذرّ رمادها في الريح، بقيت حضارة الرافدين حيّة، تُعيد ولادتها من تحت الركام. فهي أبو الدنيا: أول حضارة، وأول حرف، وأول قانون، وأكبر جيش مجهز عرفته الممالك القديمة. لم تُخلق لتفنى، بل لتثبت أن ما يُبنى بالعقل والقوة والعدل يظل خالدًا رغم أنف الزمن.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *