الكاتبة منال ربيعي
أفلتَ خيطُ النورِ من بينِ أناملِ الغروب، تاركًا خلفه سماءً ممزقة الألوان، شفقٌ يمتدّ كنزيفٍ صامتٍ على صفحة الأفق. وفي تلك اللحظة الموشّحة بالظلال، حيث يتلاشى صخب النهار ليحلّ محلّه هدوءٌ ثقيل، كانت المدينة كلّها تستعدّ لترتدي وشاح الليل. مصابيح الشوارع بدأت تتوهّج خجلاً، تضيء طرقاتٍ لم تعد تحمل سوى أصداء خطواتٍ متعبة ووعودٍ مؤجّلة.
وفي زاويةٍ منسية من ذلك المشهد، كانت هناك نافذة وحيدة، جلست خلفها طفلة تلصق خدّها بالزجاج البارد. لم تكن تنظر إلى الشفق كما يفعل الكبار، بل رأت الريح جنودًا شفّافين يركضون في الطرقات، يحمل كلّ واحدٍ منهم راية من هواءٍ مضيء، ويتهامسون بلغة غامضة لا يفهمها أحد سواها.
قالت في سرّها وهي تبتسم:
– “إنني أراكم… لا تتخفّوا عني.”
كانت تتابعهم كأنهم رفاق لعبتها، تعدّهم واحدًا تلو الآخر، وتصدّق أنّ كل جندي يمرّ أمام النافذة علامة على اقتراب والدها الذي غاب طويلًا.
وفي ليلةٍ ما، توقّف جندي مختلف أمامها. لم يجرِ مثل الآخرين، بل ظلّ واقفًا، تحيط به هالة من نورٍ باهت. رفع ذراعه الشفافة وأشار إلى السماء. رفعت الطفلة عينيها، فرأت الغيوم تتفتّح كأبواب عظيمة، وخلفها نهر من الضوء يسري في صمت.
ارتجف قلبها، لكنها لم تخف. سمعت صوته يخاطبها من أعماقها
“نحن نعرف والدك… نحفظ ملامحه، ونرافق خطواته. إنّه يسير بيننا الآن، ويحمل في يده لعبة صغيرة لك، وقطعة حلوى كما تحبين.”
وانطبعت على الزجاج صورة وجه أبيها، يبتسم لها، وفي يده دمية قماشية صغيرة وقطعة سكاكر ملوّنة. ضحكت الطفلة وهمست:
– “أعرفها… هذه لي!”
وضعت كفّيها على الزجاج كأنها تريد أن تلتقطهما الآن، ومنذ تلك الليلة لم تعد النافذة نافذة عادية، بل صارت مرآة لأحلامها، ترى فيها جنود الريح يلوّحون لها كل مساء، ويهمسون:
“هو قادم… ومعه لعبتك وحلواك.”
![]()
