الكاتبة إيمان شلاش
دخلت تحمل بيدها فنجان القهوة، أصابعها ترتجف، وعيونها قلقة،
قلبها يكاد يقفز من مكانه.
قدمت القهوة لذاك الشاب الملتحي، ذو المظهر الأنيق والرائحة المميزة.
جلست كطفلة صغيرة مذنبة تجلس أمام معلمها كي تنال عقابها.
يتنحنح بصوته الأجش، وتقترب يداه من فنجان قهوته ليبدأ بطرح الأسئلة كمحقق اعتاد التعامل مع المجرمين.
– ما هو اسمكِ يا فتاة؟
– أنا… _بتلبك_… اسمي قمر.
– اسم على مسمى أنتِ.
– هل تعلمين لما أنا هنا يا قمر؟
قمر: نعم، أعلم.
الشاب الملتحي: جيد، لأني لا أحب المراوغة. أنا هنا لكي أتقدم لكِ، فحسن سمعة أهلك هو ما جذبني إليكم، وقد سمعت من الجميع أنكِ فتاة جميلة الطباع والشكل.
فتقاطعه قمر قائلة: لكن، وماذا عني؟
الشاب الملتحي: ماذا تقصدين؟
قمر: أنا لم أسمع عنك شيئًا، ولا حتى أعرف ما هو اسمك.
الشاب الملتحي: هذا طبيعي، فليس من المرغوب أن تعرفيني أو تعرفي أي شاب آخر غيري.
قمر: لكنك تعرف من أنا، وابنة من، وعمري، ودراستي… وها أنت الآن تراني. أما أنا، فلم أعلم سوى أن هنالك رجلًا جاء ليتقدم لي.
الشاب الملتحي: هذا يكفي، أنا هنا لكي أتعرف عليكِ.
قمر: وأتعرف عليك أيضًا.
الشاب الملتحي: عندما قالوا لي إنكِ جامعية، لم أُخمّن أن لديكِ ردودًا جاهزة دائمًا.
قمر – بتردد وخجل –: أليس من حقي طرح الأسئلة؟
أليس من حقي طرح الأسئلة ومعرفة من تكون؟
أليس هذا حقي الشرعي الذي يجب أن أقرر به قرارًا مهمًا جدًا لحياتي القادمة؟
الشاب الملتحي: أجل، إنه حقكِ، ولكن والدكِ يعلم من أنا، ويعلم كل شيء عني. اسأليه، تعرفي من أنا.
قمر – مقاطعةً كلامه –: والدي يعلم، وأنا لا أعلم، ورأي والدي يختلف عن رأيي.
الشاب الملتحي: إذًا، فماذا تريدين أن تعرفي عني؟
قمر: إن كان والدي يعلم كل شيء عنك، فهذا شيء جيد، يجعلني أختصر عليك الأسئلة المهمة المتعلقة بصلاتك وعبادتك، وأسألك سؤالًا واحدًا فقط.
الشاب الملتحي: تفضلي.
قمر: هل لازلت تحبها؟
تفاجأ من هذا السؤال، وقف من مكانه، كأن طبول الخطر قد دُقّت.
الشاب الملتحي: من هي؟ وماذا تقصدين؟
قمر: تلك الفتاة التي اختارت لك هذا القميص السماوي، الذي لا يشبه شابًا يحمل هذه التجاعيد فوق عينيه.
تلك الفتاة التي أهدتك ساعة يد… هذه التي ترتديها رغم أنها لا تعمل، ويبدو أنها قد كُسرت منذ زمن طويل، ولم ترد أن تستبدلها بواحدة أخرى.
تلك الفتاة التي بحثتُ في عينيك عنها، فلم أجدها، فازدادت عيناك تشددًا.
– أنا لستُ هي.
– وهي ليست أنا.
لا تبحث عنها بوجوه الآخرين.
اذهب وتقدّم لها، هي من تستحقك.
الشاب الملتحي: نعم، ولكن هي ذهبت… لا، لا، ماذا أقول؟ لا أقصد هذا، بل أقصد أنكِ مخطئة.
قمر: لا، لستُ كذلك. اذهب لها، هي أيضًا تحبك.
الشاب الملتحي: كيف عرفتِ ذلك؟
قمر: من رائحة عطرك المميزة هذه. أتعلم ما هو اسم هذا العطر؟
الشاب الملتحي: لا، هي من أهدتني إياه.
قمر: نحن النساء نحب التفاصيل، ونرسل لبعضنا إشارات لا يفهمها الرجال. عطرك هذا اسمه “لي – Lee”.
اذهب إليها، فهي تحبك.
الشاب الملتحي: لكنها غادرت هذه الحياة بسبب حادث مروع، وأنا الآن مجبر على البحث عن فتاة تشبهها لكي أستطيع الاستمرار.
قمر: رحمة الله عليها. لن تجد، صدقني، لن تجد.
أنت لازلت تحبها، فلا تدخل حياة فتاة أخرى وتحطم قلبها لأنها لا تشبه حبيبتك القديمة.
اذهب إلى قبرها، واهتم بروحها الهائمة من حولك، وعندما يتشافى قلبك من جراحه، افتح له نافذة الحياة، وأدخل أشعة النور إليه.
أما الآن، فسررت بلقائك، وأصبح وقت المغادرة. سيرافقك أبي إلى الخارج، وسأقول له إنك لم تعجبني، وسينتهي الموضوع.
هنالك حقائق يجب أن نلاحظها عندما نجتمع بمن يريد أن يكمل حياته معنا.
من قال إن الماضي لا يهم، فهو مخطئ، فهنالك قلوب تبقى متعلقة بماضيها، وأرواحها مأسورة بطيات الذكريات.
لا تجعلوا الزواج وسيلة للهروب من حبكم القديم، بل حاربوا من أجله، وبالغوا في محبتكم، وتزوجوا محبوباتكم.
![]()
