الكاتبة أمل سامح
كانت الغابةُ تُعرفُ باسم “غابة الأنفاس المنسية”. لم يكن الهواءُ فيها مجردَ خليطٍ من الأوكسجين والنيتروجين، بل مزيجًا من همساتٍ قديمةٍ وأسرارٍ مطمورةٍ منذ أزمانٍ سحيقة. كلُّ ورقةٍ تتساقط من شجرة لا تلامس الأرض، بل تظلّ عالقةً في الهواء، كأنها تحتضن سرًّا أخيرًا قبل أن تتلاشى. وكلّما خطا عابرٌ بين ظلالها، شعر بأن الأرض تتنفس من تحت قدميه، وبأنّ كلّ شجرةٍ تراقبه بعينٍ خفيّةٍ لا تُرى. هنا، لم تكن الحيوانات هي من ترشد الطريق، بل كانت أصواتُ الأوراق المتراقصة في الفراغ هي من تقود المسافرين إلى مصائرهم.
لكنني حين عبرتُ بوّابة الغابة، اجتاحتني رعشةٌ غريبة… إحساسٌ لم أستطع إنكاره.
شعرتُ أنّي أعرفها، أعرف أشجارها واحدًا واحدًا، كأنني سمعتُ همساتها من قبل. أنفاسها تسلّلت إلى خلايا جسدي، أوراقها كانت تحاورني بصمتٍ مهيب… وكأنّ بيننا عهدًا قديمًا. شعرتُ أنّني لستُ غريبةً هنا، بل عائدة. شيءٌ غامض كان يتهامس داخلي: “هذه أرضكِ… هنا وُلدتِ… لا ترحلي مجددًا.”
ارتجفتُ. كيف أُحسّ بكلّ هذا وأنا أخطو أول مرةٍ في هذه الغابة؟ كيف تعرفني أوراقها، وتحدّثني أشجارها، بينما ذاكرتي تنكر كلّ شيء؟ كلّما وضعتُ قدمي على ترابها، غمرني صوتٌ خفيّ، دافئٌ كالأسر، مرعبٌ كالقدر: “ابقَي… لا تهربي ثانيةً من أحضاني.”
تساءلتُ بذهول: هل يمكن أن أكون قد خُلقتُ هنا فعلًا؟ هل يربطني بها ماضٍ غامض، محوته أو مُحي من داخلي؟ ما الذي يجذبني إليها كأنها قدرٌ محتوم؟ هل جئتُ لأكشف شيئًا عن نفسي، عن تاريخٍ موشوشٍ بين جذورها؟ أم أنّ الغابة نفسها هي من استدعَتني… لتواجهني بما دفنته الذاكرة منذ زمنٍ بعيد؟
لكن حين هممتُ بالعودة، أدركتُ الحقيقة…لم تكن الغابة تهمس لي فقط، بل كانت تلتفّ حولي. الأشجار اقتربت، أوراقها التصقت بوجهي، أنفاسها تسلّلت إلى رئتيّ، حتى شعرتُ أنني لم أعد أتنفّس وحدي. كان الكيان الذي يختبئ في الظلال يبتسم من حولي، يطوّقني، ويهمس ببطءٍ لا يُحتمل:
“أنتِ لم تدخلي الغابة… أنتِ عدتِ إليها.”
![]()
