الكاتبة وئام التركي
بين الحين والآخر، يتوق القلب إلى لحظة صدق… لحظة تُعيد إليه ما فقده بين الزحام.
بين الحين… أجدني أمدّ يدي إلى ذاكرةٍ لم تعد تسع كل هذا الوجع، فأجمع ما تبعثر من أيّام، وما سقط من ملامح، وما انطفأ من أحلام، وأحاول أن أرتّبها كمن يعيد بناء بيته بعد العاصفة.
بين الحين… أسمع صوتي القديم يناديني، صوتٌ لم يختنق بالخذلان بعد، ولم يتعلّم طريقة الوداع.
أسير خلفه كطفلة تبحث عن يد أمّها، فأتعثر بخطوات طواها الزمن، وأرتّب جراحي كما لو أنّها رسائل لم يُكتب لها الوصول.
بين الحين… أشتاق لنسخةٍ من نفسي كانت تؤمن بأن الغد أجمل، وكانت تفرح لأصغر التفاصيل، وتضحك دون أن تفكّر مَن سيغادر بعدها.
أشتاق لطمأنينةٍ كانت تملأ صدري دون سبب…
أشتاقُ لعينين لا تبكيان كل ليلة.
بين الحين… أرفع وجهي للسماء، وأخبرها بصمتٍ: إنّي تعبت.
تعبت من الحنين الذي يلازمني كظلّ لا يفارقني، ومن الطرق التي تعيدني إلى الأماكن ذاتها مهما حاولت الهروب، ومن الوجوه التي تغيّرت فجأة، وتركت قلبي يتساءل عن معنى البقاء.
بين الحين… أتذكّر أنني رغم كل شيء أقف.
أنني لم أنهزم، ولم أُكسر، بل انحنيت قليلًا فقط كي أستعيد نفسي.
أفهم أنّ الله لا يترك قلبًا نقيًّا يضيع، وأنّ كل هذا الثقل سرعان ما سيتحوّل نورًا، وكل هذا البكاء سيغدو دعاءً مستجابًا، وكل هذا الألم ليس إلا طريقًا يهيّئني لما هو أجمل.
بين الحين… أعود إلى نفسي، أجمعها من بين الشقوق، وأضمّها إلى صدري كأنّي أحتضن طفلةً خائفة.
وأقول لها:
“لا بأس يا وئام…
فبين الحين والحين، يولد الصبر من جديد… ونولد نحنُ من جديد.”
![]()
