الكاتبة سارة أسامة النجار
لأول مرة، أصغي للوجع المخبّأ خلف كلمات فيروز، في أغنيتها “قديش كان في ناس”، لا كمتلقٍ عابر، بل كمن وجد نفسه بين السطور. شعرت أنني أريد أن أعانقها بكل ما أتيت من حنان، أن أضمّ صوتها إلى صدري، وأهمس له: “أنا هنا، أفهمك”.
تخيلت الزحام، الناس يسيرون ثنائيات ومجموعات، يلهون مع المطر، يتدفؤون بحرارة مشاعرهم، يحملون مظلاتهم كأجنحة حب. إلا واحدة، تقف في الزاوية، في أجمل الظروف، وحيدة. لا يبصرها أحد، لا يلتفت لها سوى الباعة المتجولين، أو المتحولين الباحثين عن صدقة. بينما هي تتسول بعض المشاعر، تواسي بها برودة الشتاء، وتستعير دفئًا من نظرة عابرة.
“وأنا بأيام الصحون ما حدا نظرني”… ما أقساها من عبارة. تحكى بأنسيابية، لكنها تقع كالخنجر على القلب. كم منّا مرّ بتلك الأيام، حيث لا أحد يرانا، رغم أننا نملأ المكان حضورًا؟ لكن الكبرياء، ذلك الحارس الصامت، يجعلنا نلوح بوحدتنا في مباراة الحياة، رغم حاجة قلوبنا إلى لونٍ يكمل لحنها، إلى نغمةٍ تخرجنا من صمتنا.
فيروز لا تغني فقط، بل تفتح نوافذ القلب على مصراعيها. تغني للذين لم يُحبّوا في الوقت المناسب، للذين انتظروا طويلاً، للذين وقفوا على مفترق الطرق دون مظلة، دون يدٍ تُمسك بهم. تغني لنا جميعًا، حين تقول: “حبيتك بالصيف، حبيتك بالشتا”، وكأنها تكتب لنا وعدًا بالحب، رغم الفصول، رغم الغياب، رغم الوحدة.
في لحظة صدق، وجدت نفسي أكتب لها، لا كفنانة، بل كرفيقة وجع. وقلت لها:
“يا فيروز، صوتك ليس مجرد موسيقى، بل وطنٌ نلجأ إليه حين تضيق بنا الحياة. صوتك صلاة، وحنين، وذاكرة، ودفء. شكراً لأنك كنتِ، وما زلتِ، مرآتنا حين لا نجرؤ على النظر إلى أنفسنا.”
![]()
