...
IMG 20251127 WA0048

 

الكاتبة بورغيدة كوثر

 

منذ نعومة أظفاري، وأنا أتنقّل بين المدن والحدود،

فتاة عربية عاشت أكثر عمرها خارج أرضها…

تتذوّق لذّة السفر كما يتذوّق الطفل قطرة سُكّر.

كل بلدٍ زرته كان يحمل في طيّاته بهجةً مختلفة،

كنت أرى الحياة تضحك لي كلما وطئتُ أرضًا جديدة.

 

كنت أفتن بجمال المعمار،

وأنبهر بألوان الأسواق،

وأستلذّ بنكهة الحرية التي كنت أظنها كاملة…

 

حتى جاء ذلك اليوم،

ورأيت منشورًا قديمًا عن فلسطين،

لا إعلانًا سياحيًا،

بل صورةً صامتة تهمس:

“هنا جمالٌ لم يُروَ.”

 

أحسست بنداءٍ خفيّ،

كأن الأرض هناك تناديني باسمي.

فجمعتُ شتات حماسي،

وحزمتُ حقيبتي دون تفكير…

ذهبتُ إليها وفي قلبي حنين لا تفسير له.

 

لكن فلسطين لم تشبه المدن التي زرتها من قبل،

ما أن وصلت، حتى شعرت أن شيئًا ما في الهواء يئنّ،

لون السماء باهت،

الطرقات مثقلة بالتعب،

والأبنية تنظر إليك كأنها تطلب النجدة.

 

لم تكن المدينة حيّة…

بل كانت تُقاوم.

 

رأيت الوجوه هناك صامدة،

لكنّها لا تخلو من آثار السنين والأحزان،

الابتسامات خجولة،

والعيون لا تنام.

 

تساءلت بيني وبين نفسي:

أين ذاك الجمال الذي قرأت عنه؟

أين صور الزهور، والبحر، والبيارات؟

 

لكنني شيئًا فشيئًا… بدأت أرى.

 

رأيت الجمال في الطفل الذي يحمل كتابه بيد، وحجرًا بالأخرى،و يبتسم رغم القيد؛

 

في الفتاة التي تمشي بثوبٍ مطرز رغم الدخان،

 

في الجدة التي تُخبّئ مفاتيح بيتها المهجور تحت الوسادة،

 

وفي الشاب الذي يبتسم رغم الجرح؛

جمال فلسطين…

 

ليس في الهدوء ولا في العمران،

 

جمالها في الصمود الذي لا ينكسر،

في النخوة التي تسكن تفاصيل الناس؛

 

جمالها في زقزقة الأمل تحت ركام البيوت،

 

في مفاتيح البيوت المعلقة على الحيطان،

وفي عيون لا تنسى… ولا تنحني.

 

جمال فلسطين لا يُرى بالعين،

بل يُحسّ بالقلب.

 

هنالك، فهمت أن الجمال لا يُقاس بالهدوء،

بل بالقوة التي تنبت من قلب العاصفة.

 

فلسطين لم تكن وجهة سفر،

كانت يقظة،

كانت جرحًا ينزف داخلي وأنا أضحك في أماكن أخرى.

 

ومن تلك اللحظة،

لم أعد السائحة التي تلتقط الصور وترحل،

أصبحتُ بنتًا لهذه الأرض،

جزءًا من حكايتها،

ورقمًا في صفوف من يرفضون الرحيل.

 

لن أعود من حيث أتيت،

فإن كنتُ عربية بحق،

فلا شرف لي إن لم أُقاوم هنا.

سأبقى،

ولن أغادر،

إلّا منتصرة… أو شهيدة.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *