...
IMG 20251127 WA0019

 

*بقلم: آلاء العقاد*

 

لم أكن جاهزة لفقدان أبي…

تلك اللحظة المؤلمة تسللت إلى قلبي كطعنة مفاجئة، لم تمنحني وقتًا للبكاء، ولا فرصة للوداع. في الزاوية التي كانت تجمعنا كل صباح، حيث كان أبي يوقظنا بابتسامته، ويغني لنا بصوته الخافت، كانت الحياة تبدأ، لكن في ذلك اليوم… انتهى كل شيء.

 

كانت أسرتنا، “عائلة أبو مراد”، تتكوّن من أبٍ مجاهد، وزوجة صابرة، وثلاثة أطفال لم يتجاوز أكبرهم السابعة. نعيش في خيمة ضيقة لا تكفي لأن تمد قدميك فيها دون أن تصطدم بجدار من قماش.

المجاعة تنهشنا، لا طعام مغذٍ، لا ماء نظيف، لا دواء. كل شيء في غزة بات صعبًا، حتى الحلم أصبح ترفًا.

 

استيقظ أبي صباحًا وهو ينظر في وجوهنا الجائعة، فقرر أن يخرج.

قال لأمي بصوته المرهق:

“سأذهب لنقطة المساعدات… يمكن ألا أرجع سريعًا، ادعوا لي.”

 

كان المكان الذي قصده محفوفًا بالخطر، نقطة مساعدات لا يسلم من يصلها، بين القصف، والتدافع، والانفجارات، ورصاص لا يرحم.

 

مرّ الوقت ببطء…

الساعات ثقيلة، والقلوب خائفة.

أمي كانت تجلس على باب الخيمة، تحدّق في الفراغ، ووجهها متجهم.

 

وفجأة، تعالى صوت في المخيم…

شبان يركضون، صرخات، وهمسات.

ثم رأيناهم قادمين… يحملون شيئًا على الأكتاف.

لم أصدق، حاولت الركض، لكن قدماي تجمدتا.

الحقيبة كانت ما تزال على كتفه، لكنها كانت آخر ما عاد معنا.

 

استشهد أبي وهو يبحث عن لقمة لنا.

سقط شهيد الخبز، شهيد العطاء، شهيد الأبوة.

 

في تلك اللحظة، كبرتُ فجأة.

لم أعد طفلة. أصبحتُ أنا الكبيرة.

أقسمتُ أن أكون امتدادًا له، أن أحمل في داخلي وصاياه، أن لا أنسى.

 

في المخيم، عند زاوية الخيمة… لا يزال صوته في رأسي، وضحكته في أذني.

لكن حضنه… رحل مع الحقيبة الأخيرة.لم أعد طفلة. أصبحتُ أنا الكبيرة.

أقسمتُ أن أكون امتدادًا له، أن أحمل في داخلي وصاياه، أن لا أنسى.

 

في المخيم، عند زاوية الخيمة… لا يزال صوته في رأسي، وضحكته في أذني.

لكن حضنه… رحل مع الحقيبة الأخيرة.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *