...
IMG 20251124 WA0053

 

الكاتبة مها زايد

 

عندما أفاقت كارينزا لم تجد سوي راڤين المُلقي علي الأرض ممسكاً ببطنه ويصرخ متألماً

 

حاولت الإستنجاد بأحدٍ ولكن لا حياةً لمن تنادي،وكأن هذه المملكة هُجرت فجأة

 

ليظهر ڤيرون مرة أخري ليُساوم راڤين على أعز ما يملك،حياته وكارينزا،فأما أن يتركها وينجو بحياته أو يموت وتنجو هي

 

أدرك ڤيرون حينها قيمة المقولة التي قرأها يوماً ولم يقتنع بها

 

والتي نصت على”ليس من السيئ أن تطمح،ولكن الاسوأ أن تُغامر في طريقٍ تعلم نهايتة على أمل أن تتبدل،فمن الجنون أن تُراهن على تغيير حقيقة قد ثُبتت بالفعل”

 

أدرك حينها نتيجة إختياره،ومغامرته في خوض تجربه يعلم نتيجتها جيداً ،فهو يعلم أن لا مكان هنا للحب،ورغم ذلك أحب،فكان لابد أن يختار،ليدفع ثمن إختياره بمفرده دون أن يُحمل أحداً ذنب لم يرتكبه

 

فنظر إلي كارينزا التي صرخت بشدة ووضعت يدها علي فمه لتمنع كلماته من الخروج حينما قرأت في عينيه الإجابه

 

كان راڤين سيختارها هي،فضلها علي نفسه،أراد لها العيش حتي لو كان الموت سيكون نصيبه،فيكفيه أن يظل قلبها نابضاً بالحياة ليشعر أنه كان ذا أثر في حياةٍ لم ينل منها شيئاً و نالت منه هي كل شئ حتي حقه في الزواج مِن مَن أحب

 

نظر لڤيرون بعينين دامعتين وجسداً لم يعد يطيق الألم ليقول له إختياره،ليُقابل ڤيرون هذه النظرات بعدم إكتراث قائلاً

 

أتعلم لماذا سُميت بهذا الإسم؟

 

جاوب راڤين بصوت متقطع يكاد يُسمع قائلاً

 

عمري ما فكرت في معناه

 

ڤيرون:سأشرح لك،حتي يأتي ميعادك دون أن تشعر

 

في هذة اللحظة تأتي سِرابيل لتقطع حديثة قائلة

 

لا تُهدر وقتك الثمين في هذه التفاهات، اذهب أنت يا مولاي، ودع أمر هذين الوغدين لي.

 

بمجرد أن إختفي طيفه قالت

 

يقولون في مملكة ميراچورا إنَّ ڤيرون سُمِّي بهذا الاسم لأنه إله الزمن والمصائر؛ فهو – كما يعتقدون – المخوَّل بإيقاف الوقت أو دفعه إلى الأمام، وبإحداث التغيير في المصائر نحو الأفضل أو الأسوأ

 

لكنهم يجهلون أن لا إله سوي الإله الأعظم، الذي لا يُجارى، الحاضرٌ في كل طَرْفَة عين، وفي كل هَمْسَة أُذن،الذي إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون

 

نظروا لها بتعجب،فكيف تقول هذة الكلمات وهي كما يعلمون لا تعتنق أي ديانة

 

فخرج الكلام من فم راڤين بإندفاع متسائلاً

 

إزاي عرفتي ربنا،وإزاي عرفتي كلامه؟

 

نظرت له سِرابيل وهي مبتسمة إبتسامة حنونة مجيبة

 

منك أنت يا راڤين،فأنت كنت مُلهمي،حينما رأيتك تُصلي مراراً وتكراراً وتحرص علي أداء فروضك في وقتها،أبهرني إلهك الذي جعلك تحبه وتحب لقاءه هكذا،فأحببته دون ان أشعر وأمنت به دون أن أعلم

 

كنت أسمعك تمتم بكلمات تُشعرني بالراحة دون علمي عنها أي شئ غير أنها لابد أن تكون من عند شخصاً عظيم،وأدركت حينما سمعتك وأنت تتحدث مع كارينزا ذات مرة،أن هذا ما يسمي بالقراءن وهو مُنزلاً من عند الله،الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لا إله غيره،فأشهد أن لا إله الا الله وأشهد أن محمداً رسول الله

 

نظر راڤين لكارينزا في دهشة لم يصدق أن الله إستعمله وأهدي به شخصاً،فظل يُكبر ويهلل حتي لم يعد يشعر بألم وكأن الله أتم نعمته عليه بالشفاء

 

فكان هذا المشهد ذا تأثيرٍ ساحرٍ في قلب سِرابيل، فرسَّخ الإيمانَ فيه أكثرَ من ذي قبل

 

قطعت سِرابيل هذه اللحظة الجليه بقولها:

 

والأن هيا أسرعوا حتي نهرب قبل ان يرانا أو يشعر بإختفائنا أحد

 

ظلوا يسيرون خلفها من سردابٍ إلي نفقٍ إلي مخبئاً سرياً حتي وصلوا إلي البوابة الذهبية التي دلفها راڤين قبل عدة أسابيع ،والذي كان يظُنها طوق النجاة ،غير مدركٍ أنها قد تسوقه لنهايته دون ان يشعر

 

إستطاعت سِرابيل أن تختفي وتخفيهم معها بقدرتها التي وهبها الله لها،وكثيراً ما وظفتها فيما يغضبه،وها هي الأن تستغلها في إنقاذ روحين بريئين،عسي أن يجعل الله هذا العمل في ميزان حسناتها،ويضع به من سيئاتها

 

بمجرد ان رأي راڤين المبني الذي رأي الوميض من خلفه والذي كان سبب خوضه هذه التجربة،شعر بقشعريرة غريبة تسري في جسده،فهو لم يصدق أنه يشعر بهذه السعادة بعودته للفقر من جديد،لم يكن يُدرك قيمة الحياة التي كان ناقماً عليها إلا بعدما كاد أن يُحرم منها

 

ظل شارداً لثوانٍ معدودة،فيما مر به،وما عوضه الله به عن صبره،فهو يري أن حب كارينزا له أجمل ما عوضه الله به ،فنظر إلي كارينزا ليجدها تُفلت يدها من يده بقوة قائلة له

 

شكراً ليك يا مغفل،كده دورك خلص،باي باي،ولوحت بيدها مغادرة

 

شُلً عقله عن الإدراك لثواني خاصة عندما رأي سِرابيل مُلقاه علي الأرض متوفاه،وكأن الله أجل ساعتها لتموت علي دينٍ يرضاه،فما لها من حسن خاتمة،فعندما أفاق من شروده أدرك حينها الحقيقة المُهلكة

 

حقيقة أن كارينزا استغلّت حاجته إلى الحب، ولعبت على وتر قلبه؛ مثّلت عليه العشق، وأغدقت عليه الاهتمام، وأسمعته كلمات الغزل التي راحت تشيّد بداخله حصنًا منيعًا يحميه من الانهيار. شيّدت له قصورًا من الآمال، ثم هدمتها فوق رأسه، فتهاوى البناء وهو معه، سواءٌ بسواء

 

لم يحضر في ذهنه في هذة اللحظة سوي كلمات ڤيرون حينما قال أن ميراچورا بوابة حظ،فهو لم يكن يكذب

 

فا بالفعل كانت بوابة حظ ولكن تعيس،فهو علي الأقل كان يحيا قبل ذهابه هناك حتي وإن كان ساخطاً،أما الأن فهو ميت،حتي وإن كانت نبضاته تعمل علي أكمل وجه،فهو لولا بطره علي دنيته ما كان خسرها الآن بعدما تركته كارينزا آخذه معها روحه

 

أدرك حينها خطأ معتقداته التي عاش مقتنع بها

 

فهو كان يعتقد طوال حياته أن الفقر والجوع مميتان، لكنه اكتشف مؤخرًا أن الخذلان أشد فتكًا؛ فألم الجوع يُسكَّن بلقمة، أما وجع القلب لا يُطبَّب إلا بالبتر

 

“فقرّر بتره، فهو لم يكن قويًّا بما يكفي ليُعالج صدمته في أول حبٍ هجره، أو يجبر كسر قلبه.

 

فأقصى ما استطاع فعله كان إنهاء حياته، بطريقة تشبهها؛ مأساوية كما كانت ظروفه. فمات كما عاش، وحيدًا منبوذًا.

 

وعندما علم أهل قريته بموته،لم يترحموا عليه بل تركوا السبب الذي أوصله إلي هنا وتمسّكوا بالنتيجة؛ حكموا عليه بالكفر، ولم يحكموا على أنفسهم بالجبروت

 

لم يعترفوا يومًا بأنهم السبب فيما آل إليه، بل حمّلوه الوزر كاملاً

 

فلولا قسوتهم عليه ما فكر أن يهوي إلي أحضانٍ لم ترَ فيه سوى طريقٍ للخلاص،بينما رأي هو فيهم الحياة

 

كان يُشبه الأطفال في أحلامه،فأحلامه بسيطة تُشبه حياته،فهو لم يطمع في أكثر من نظرة حب،نظرة تُشعره أنه يستحق أن يُري،ولكن الدنيا استكثرت عليه ما قدمته لغيره بإستفاضة

 

وكأنَّه وُلد في الحياة الخاطئة، أو أنَّ الله لا يريد لمتعته أن تكون إلا في المكان الذي يليق به، مكانٍ يُجاور من تعلَّق قلب راڤين به دوماً.

 

فاللهم لا تُعلق قلوبنا بما ليس لنا،ولا تشغلنا بأمور الدنيا عنك يا أرحم الراحمين

 

#النهاية

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *