الكاتبة أماني أحمد اسكندراني
كيف اكتشفت نفسي؟!!
الحقيقة أنني لم اكتشفها… بل هي التي اندفعت نحوي، تنقذني من نفسي المتألمة الحزينة.
كنت أقبع في قاع بئر عميق: يائسة، محطمة، حبيسة الظلام والوحدة والصمت.
لم يكن هناك صوت سوى صدى أنيني يتدحرج على الجدران الباردة.
وكدت أهلك من وطأة الوحدة…..ثم في ذروة العتمة، انبثق نور ضئيل… كشمعة وحيدة، لكن لهبها كان كافياً لتمزيق السواد من حولي.
أضاء زوايا نفسي المنسية، وكشف لي عن كنز كنت أحمله دون أن أدري ألا وهو الكتابة.
كانت الكتابة وسيلتي التي انتشلت بها نفسي من القاع.
لم تكن مجرد كلمات على ورق، بل كانت مشفى وملجأ لي.
فقد أخذت الكتابة أشلائي المبعثرة في ممرات الألم والحزن، ولممتها بقوة ناعمة، محولة صدى أنيني إلى نظم للإحساس.
أدركت حينها أنني لم أشف تماماً، ليس بعد…
لكن هذا الضوء الضئيل صار أغلى كنز أملكه.
أحميه حتى من هواء تنفسي حتى لا يخلو وينطفأ، فأعود مجدداً سجينة ظلمتي.
بل إنني كل يوم أسعى لتغذيته بمواد جديدة قابلة للاحتراق: القراءة والتأمل والتجارب الحياتية المختلفة… لأجعله يكبر ويشتد.
فيتحول من شمعة هشة إلى مصباح دائم ينير ما حولي ويضيء دربي ويشعل الأمل في قلبي.
وسألت نفسي يوماً في لحظة تأمل … كيف اشتعلت هذه الشمعة ؟!!!!
تفكرت وتأملت …. حتى أدركت أن الكلمة انبثقت من دمعتي… وأن الفكرة اشتعلت من حزني… وأن المشاعر والأحاسيس اشتقت من ألمي وعذابي…
لذا كتبت .. وكتبت.. دون توقف…
لأكتشف أن كلماتي ترجمت أحزاني وأن وحشتي تحولت لقصة يمكن قرائتها والشعور بها..
حتى صارت الورقة صديقتي التي لا تفارقني.. وتوأم روحي.
تستمع لي دون أن تقاضيني وتصدر حكماً علي… تتفهمني دون أن تدفعني للصمت… تمسح دمعتي دون أن تجعلني أشعر بالعجز… وكأنها وعاء يمتلئ بكل آلامي .. حتى إذا فاض .. رمى بها في سماء التحرر .. ومنعها من العودة لي…
والآن… وقد صار لي ضوء… لم أعد أهدف فقط إلى أن أرى …
بل أن أكون سبباً في إنارة قلوب ماتت من حولي وغرقت في بحر الحزن مثلي.
أريد لكلماتي أن تكون حبل النجاة لهم، لتكون بمثابة اليد الممدودة التي لن تتركهم.
سأكتب لأشفي من حولي .. كما شفتني الكتابة.
وهكذا من أعمق نقطة في ظلمتي…. ولدت أقوى نقاط في نفسي.
فلم تكن الكتابة هواية اكتشفها …. بل كانت روحاً ترد لجسدي الميت..
وهي الآن ليست مجرد شمعة أحميها… بل باتت نار قوية أرغب بها أن تنير ظلمة من حولي.
سأستمر في الكتابة… لأجعل من كلماتي قصصاً تعيش وتمنح الحياة …
![]()
