...
OplusOplus_131072

أحمد حمزة

طالب بكلية الألسن قسم اللغة الألمانية

 

 

تتجاور الأرواح حين تتشابه مساراتها، وتلتقي الحكايات وإن فرّقتها الأزمنة والأمكنة. هكذا تبدو سيرة مُصعب بن عُمير والسنوار؛ حياتان كُتبتا بمداد الجدّ الخالص، ومُضيتا بعزمٍ لا يعرف التردّد، كأنهما شهيقٌ طويلٌ لم يُتح له زفيرٌ على أرضٍ أثقلها الصراع.

حين أستمع إلى سيرة سيدنا مُصعب وأتخيّل وقائعها، مهما أمعنتُ في التخيل، أشعر أن خيالي يظلّ قاصرًا، وأنني بحاجة إلى مشهدٍ أو صورةٍ تُغذّي هذا الخيال كي أستوعب الحكاية على وجهها الصحيح.

 

في سيرة سيدنا مُصعب يضيق صدري من شدّة وقعها؛ فهذا شابٌّ أسلم في نحو الثامنة عشرة من عمره، فكانت حياته منذ ذلك الحين كلّها بذلًا وتضحية. بعد أن كان مُنَعَّمًا مترفًا، وجد نفسه فجأة في مواجهة تعذيب أهله له، فهاجر إلى الحبشة، أرضٍ غريبةٍ بلغةٍ غريبةٍ ومستوى عيشٍ لا يقارن بشيءٍ من حياته السابقة. ومع ذلك عاد، ثم كان أوّل مهاجرٍ إلى المدينة، ولم تكن هجرته لمجرّد للنجاة، بل لهدف الدعوة إلى دينٍ عُذِّب من أجله على يد أهله أنفسهم؛ فكيف يكون الأمر مع قومٍ غرباء؟

 

ثم جاءت الحروب، فكان حامل الراية. تُقطع يده، فيمسكها بالأخرى، فتُقطع الأخرى، فيضمّها إلى كتفه، لا وقت للألم ولا مجال للتراجع، حتى لقي ربّه شهيدًا. لم يشهد عزَّ الإسلام، ولا الفتوحات، ولا ثمار النصر؛ حياةٌ كلّها كأنها شهيقٌ حُبس، ولم يُطلق زفيره إلا في الجنّة. ولهذا ظلّت هذه الحكاية مشوّشة في مخيّلتي زمنًا طويلًا.

 

حتى عاصرتُ حياة يحيى السنوار، بغضّ النظر عن الموقف منه تأييدًا أو معارضة. فهو رجلٌ وُلد في غزّة، حيث القحط وشدّة العيش، وقضى شبابه في السجن، ثم خرج ليقاتل جيشًا مُجهّزًا بأحدث الأسلحة، بعصًا تكاد تكون كلّ ما يملك. كان مشهد العصا أيقونيًا على نحوٍ لا يُصدَّق.

 

رجلٌ أُصيب بقذيفة، وشُلَّ ذراعه، ومع ذلك ظلّ يريد البذل، لا وقت للألم، ولا مجال للسكون. روحُه تهمّ بمفارقة الجسد، فيرمي العصا قبل أن تفارقه أنفاسه الأخيرة.

حضرتني حينما رأيت ذلك المشهد مقولة سيدنا سعد بن الربيع رضي الله عنه في غزوة أُحد، وهو في سكرات الموت متأثّرًا بجراحه:

 

«لا خير فيكم إن خُلِّص إلى نبيّكم وفيكم عينٌ تطرف».

 

فالعذر الوحيد عنده لتوقّف المقاومة هو أن تفارق الروح الجسد، أمّا إن بقيت أدنى حركة، ولو رمشة عين، فالمقاومة واجبة، سواء كان ذلك على سبيل المجاز أو تعبيرا حقيقيا، كما رأينا في لحظات السنوار الأخيرة.

 

ومجرّد التفكير في أن يكون خصمي أو عدوي رجلًا على شاكلة السنوار يُبعث في نفسي غاية الرعب؛ كيف يُحارَب من يقاوم حتى اللحظة الأخيرة من حياته؟ ومن أين تُستمدّ الدافعية لمواجهته؟

 

تشابهت حياة مُصعب بن عمير مع السنوار في الصرامة التي لا تقسو على القيم، وفي الصبر الذي لا يساوم على المعنى. كانا يعرفان أن الطريق إلى الله ليس مفروشًا بالوعود، بل بالأشواك، وأن الحرية لا تُستجدى، بل تُنتزع بوعيٍ وإرادة. عاشا كما لو أن الزمن ضيّق، وأن اللحظة أثمن من أن تُهدَر، فصنعا من الأيام وقائع، ومن المواقف علامات.

 

وحين يضيق النفس في صدور الرجال، لا يكون ذلك عجزًا، بل امتلاءً. شهيقٌ بلا زفير؛ لأن الزفير مؤجَّلٌ إلى حيث السكينة الحقّة، حيث تُصفّى النوايا، وتُجازى الأعمال. كأن حياتهما كلها كانت شهيقًا واحدًا، صعدت فيه الروح أعلى من الخوف، وأعلى من الحسابات الصغيرة، حتى إذا انتهى الطريق، كان الزفير في الجنّة، حيث لا صراع، ولا وجع، ولا انتظار.

 

أرى أن تلك الحياة التي عاشاها لا تُقاس بطول الأعمار، بل بعمق الأثر. مُصعب والسنوار لم يتركا وراءهما فراغًا، بل معنى، ولم يورثا صمتًا، بل سؤالًا مفتوحًا عن الشجاعة والاختيار. وفي السؤال حياةٌ أخرى، لا تنتهي.

 

نسأل الله أن يجمعنا بهما على خير، وأن يثبّت من بقي، وأن يُعزّ المسلمين في كل بقاع الأرض.

 

 

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *