...
IMG 20251220 WA0024

بقلم فتحى عبدالحميد

الجزء الأول

 

 

لم أولد بطلا.

كنت رجلا عاديا .

اسما يمر في السجلات ,

وجها يضيع بين الوجوه.

وخطوات لا تترك أثرا.

أعيش في مدينة لا يلتفت إليها أحد.

مدينة تشبه غيرها في النهار.

شوارع مستقيمة.

مبان متلاصقة.

محال تفتح وتغلق.

وبشر يتبادلون التحية بلا فضول.

لكنني كنت أشعر دائما أن شيئاً ما يراقبني.

لا أعين.

بل إحساس ثقيل.

كأن الأرض تعرف اسمي.

حتى قبل أن أعرفه أنا.

منذ طفولتي.

كنت أكره الساحات القديمة.

أشم فيها رائحة صدأ لا تأتي من الحديد.

وأسمع صمتا أعلى من الضجيج.

كنت إذا عبرت إحداها.

أسرعت الخطو.

كأن ظلا يمد يده من تحت الحجارة.

تسألت مرة:

لماذا بيوتنا كلها تواجه الشارع ولا تواجه الساحة؟

أطرقت طويلا. ثم قلت:

هكذا وجدناها.

ولاجدوى من السؤال عن أشياء نامت قبلنا.

كبرت.

ودرست.

وعملت عملا لا يحمل معنى.

لكن المدينة لم تنسني.

كنت أرى الشوارع تتلوى.

وأسمع الجدران تلهث.

وأستيقظ وقميصي مبتل بالعرق.

وقلبي يخبط كأنه يطلب الخروج.

في البداية, ظننتها أوهاما.

ثم بدأت العلامات.

تشقق صغير في حائط غرفتي.

صوت خافت تحت البلاط.

وإحساس غريب بأن البيت لا يستقر

. كأنه يقف على صدر يتنفس.

 

ذات مساء.

وأنا أعبر ساحة المدينة.

تعثرت.

لا بشيء ظاهر.

بل بذاكرة.

رأيت لمحة.

دم.

صرخة.

وحجرا يغلق فمه على سر.

لم أصرخ.

لم أهرب.

لكنى .عدت إلى بيتي وأنا أرتجف.

ومنذ تلك الليلة

سمعت أول نفس.

لم يكن صوتا.

كان إحساسا.

كأن المدينة تضع رأسها على صدري.

أخيرا…

نهضت مفزوعا.

فتحت النوافذ.

المدينة ساكنة.

كل شيء في مكانه.

 

إلا أنا.

بدأت أسمعها بعد ذلك بوضوح أشد.

ليس بالكلمات.

بل بالثقل.

بوجع لا أعرف مصدره.

بذنب لا أذكر أنني ارتكبته.

كنت الوحيد الذي يشعر بأن الأرصفة تنبض.

وبأن الحجارة تحت الأقدام ليست ميتة.

حاولت الهرب.

السفر.

العزلة.

لكن المدينة كانت تسافر معي في صدري.

وفي إحدى الليالي.

حين بلغ التعب حد الانكسار.

سمعتها بوضوح للمرة الأولى :

نحن نموت…

عندها فقط.

فهمت أن ما ينتظرني ليس حلما.

ولا جنونا.

ولا وهما.

بل اختيارا.

وهنا…

بدأت الحكاية.

 

 يتبع الجزء الثاني

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *