بقلم / فتحى عبدالحميد
الجزء الثاني
لم أعد أعرفنى. منذ بدأت أسمع استغاثة أعماق المدينة.
في النهار كانت المدينة تبدو عادية؛
شوارع من حجر صامت
. نوافذ مطفأة.
وبشر يمشون كأنهم يؤدون حياة مستعارة.
لكن حين يحل الليل…
كانت المدينة تستيقظ.
تتنفس الجدران أنفاسا متقطعة.
وتنبض الأرصفة كأوردة متعبة.
وتتحرك الشوارع قليلا.
كما لو كانت تغير وضعها لتخفف وجعا قديما.
وحدي كنت أسمع النداء؛
صوتا لا ينطق.
بل يغرس في الصدر غرسا غائرا:
أنقذني… .
كانت المدينة حية.
مسكونة بلعنة تعود إلى زمن شيدت فيه فوق ظلم لم يكفر عنه.
كل حجر يحمل ذنبا.
وكل نافذة شهدت جريمة وسكتت.
ومع كل ألف عام. كانت المدينة تطالب بثمن بقائها.
إنسان واحد
. يسمع. ويفهم. ويُختار.
قاومت النداء طويلا.
أغلقت النوافذ.
دفنت رأسي في الوسادة.
وأقنعت نفسي أن الجنون أرحم من التصديق.
لكن المدينة كانت أذكى من الهروب؛
تكتب إشاراتها على الجدران.
تئن تحت قدمي.
وتشدني إليها كما يشد البحر غريقه الأخير.
قالت لي ذات ليلة. وصوتها كزجاج مكسور:
إن أنقذتني. ستفقد حياتك البشرية. وتصير نبضي الأبدي. وإن تجاهلتني… سأبتلع الجميع. وأبدأ من جديد.
كان الصراع داخليا. قاسيا. مرهقا.
أي حق لي أن أختار الفناء لنفسي؟
وأي جريمة أن أختار نجاتي على حساب مدينة كاملة؟
تذكرت الوجوه التي تمر بي كل صباح. لا تعلم أنها تعيش فوق قلب يتألم.
وعند الفجر.
وقفت في ساحة المدينة. حيث بدأ كل شيء.
وضعت كفي على الحجر الأقدم.
فشهقت المدينة شهقة طفل وجد أمه.
وهناك… اخُترت.
لم يمت جسدي.
بل ذاب.
صرت طريقا لا يضل.
وجدارا لا يشيخ.
وصوتا لا يسمع إلا إذا عاد الظلم يطرق الأبواب.
هدأت المدينة. وانكسرت اللعنة.
ومنذ ذلك اليوم. يعيش الناس آمنين…
ولا يعرف أحد أن المدينة ما زالت حية.
ولا أنني… المُختار .
يتبع جزء الثالث
![]()
