حوار: بحر علاء.
مجلة الرجوة الأدبية
في لقاء خاص مع مجلة الرجوة الأدبية، نفتح صفحة جديدة مع كاتبة تُجيد نسج الحروف وتُبحر في عالم الرواية والقصص القصيرة.
في هذا الحوار، نتحدث معها عن مسيرتها الأدبية، تجاربها، وأفكارها حول الكتابة والفن الأدبي.
أو كما قالت حلمي أن أصبح كاتبة معروفة على نطاق واسع
1.مني هي هنادي ؟ ومتي بدأت شغفها بالكتابة ؟
هنادي زغداوي من مواليد 14/04/1995 بطرابلس ليبيا حاملة للجنسية جزائرية كاتبة بالفطرة اختارت الكتابة كوسيلة نجاة لا كهواية
أكتب لأفهم نفسي لا لأشرحها، وأعيد ترتيب الفوضى التي تركتها الحياة داخلي.
لسيت كاتبة تبحث عن الضوء ، بل عن الصدق ،لأن الصدق وحده قادر على إنقاذ ما تبقى من القلب..
بدأ شغفي بالكتابة في سنّ مبكرة، في تلك المرحلة المرتبكة التي يسمّونها المراهقة، حين اكتشفتُ أنني لا أجيد البوح مثل الآخرين، وأن الصمت في داخلي أعلى من أي صوت. هناك، عند أول خيبة، وأول خذلان لم أعرف كيف أسمّيه، أمسكت بالقلم لا لأكتب، بل لأتنفّس.
كنت أكتب لأن الألم لم يجد طريقًا آخر للخروج، ولأن الخيبة كانت أكبر من أن تُحكى بصوتٍ عادي. فصرت أختار أن يتكلم الصمت نيابةً عني، وأن يتحوّل الوجع إلى كلمات، والخذلان إلى نصّ، وكأنني منذ ذلك العمر قررت دون وعي أن أكمِل حياتي هكذا:
أكتب حين أعجز عن الكلام، وأصمت حين يصبح الصمت كتابًا.
2.ما الذي ألهمك لتصبحي كاتبة؟ وهل تتذكرين أول نص كتبته؟
لم تُلهمني الكتب أولًا، ولا الحكايات الجميلة، بل الخذلان.
هو من وضع القلم في يدي قبل أن أعرف معنى الكتابة. ألمه كان أكبر من صدري، فبحث عن منفذٍ آخر، ووجد الورق.
أول نص كتبته لم يكن قصة ولا قصيدة، بل اعترافٌ مرتجف. كلمات غير مرتبة، تشبه بكاءً مكتوبًا، عن خيبة لم أفهمها وقتها، وعن وجع لم يكن له اسم.
كنت أكتب وكأنني أُنقذ نفسي من الغرق، لا لأصنع نصًا، بل لأبقى على قيد الشعور.
منذ تلك اللحظة فهمت أنني لا أكتب لأُدهش، بل لأتداوى. وأن الخذلان، مهما كان قاسيًا، كان أول من صدّقني حين عجز العالم عن سماعي.
3.من الكتّاب أو الكتب الذين أثّروا بك ويدفعونك للاستمرار في الكتابة رغم التحديات؟
أقرأ كثيرًا، بين كتبٍ ألمسها بيدي، وأخرى أصل إليها عبر الشاشات، لكن الحقيقة التي لا أهرب منها هي أن أكثر ما يؤثّر بي ليس ما قرأته، بل ما عشته.
تجربتي الشخصية هي الكاتب الخفي الذي يلازمني دائمًا: ألمي الداخلي، خذلاني المتكرر، وصمتي الطويل الذي لم يتعلّم الكلام إلا على الورق. هذه التفاصيل الصغيرة التي لا يراها أحد هي التي تدفعني للاستمرار، وهي التي تذكّرني في كل مرة أتعب فيها أنني لا أكتب ترفًا، بل ضرورة، كمن يكتب ليبقى واقفًا وسط كل ما انكسر فيه.
4.كيف تصفين أسلوبك الأدبي؟
وهل تكتبين وفق خطة واضحة أم تتبعين تدفّق الأفكار؟
أسلوبي أدبي نفسي عميق، حسّاس، يقترب من القارئ كما لو أنه يلمس جرحه الخفي. أكتب لكل من مرّ بمرحلة خذلان، ولكل من عاش ألمًا عميقًا؛ دائمًا كان أم مؤقتًا، لأنني أؤمن أن الوجع لغة مشتركة لا تحتاج إلى ترجمة.
لا أكتب وفق خطة مسبقة، ولا أرسم للنص طريقًا واضحًا. أنا أترك المشاعر تقودني، وأسمح لما يضجّ في داخلي أن يخرج كما هو: مرتبكًا، صادقًا، وأحيانًا قاسيًا. فالكتابة عندي ليست مشروعًا منظمًا، بل لحظة صدق، أدوّن فيها ما أشعر به قبل أن يختنق الصمت في صدري.
5.ما أكثر ما تحرصين عليه أثناء الكتابة؟ وهل تفضلين وقتًا محددًا للكتابة؟
أكثر ما أحرص عليه هو الهدوء. أن يكون المكان آمنًا بما يكفي لاعترافاتي، بعيدًا عن الضجيج الذي يقطع خيط الشعور. أحتاج مساحة تشبهني، وصوت موسيقى خافتة ترافقني، لا لتُلهيني، بل لتُهدّئ الفوضى في داخلي حتى أستطيع أن أكتبها.
لا أملك وقتًا مخصصًا للكتابة، فأنا لا أستدعي النص، بل هو من يطرقني فجأة.
قد يأتيني في منتصف الليل، أو في لحظة صمت عابرة خلال يوم مزدحم. أكتب حين أشعر أن الصمت امتلأ أكثر من اللازم، وحين يصبح التأجيل خيانة لما في قلبي.
6.ما الذي يلهمك عادة: الأشخاص، المواقف أم الخيال؟
الأشخاص أوّلًا.
هم أكثر من منحني الإلهام حين خذلوني حدّ الألم، وحين تركوا في داخلي فراغًا لا يملؤه إلا النص.
من ملامحهم، من غيابهم، ومن الكلمات التي لم يقولوها، تتكوّن جُملي الأكثر صدقًا.
تأتي المواقف بعدهم، تلك اللحظات الصغيرة التي تمرّ عابرة في حياة الآخرين، لكنها في داخلي تتحوّل إلى زلازل صامتة.
أما الخيال، فيزورني أحيانًا، لا ليبتعد بي عن الواقع، بل ليمنحني مساحة أوسع لأقول ما لا أجرؤ على قوله مباشرة.
7.كم من الوقت تستغرقين عادة لكتابة عمل كامل؟ وهل واجهتِ صعوبة في نشر أول عمل لك؟
أحتاج وقتًا طويلًا لإنجاز أي عمل، ليس لأنني أبطئ في الكتابة، بل لأن النص عندي ينضج على مهل، مثل جرح لا يلتئم بسرعة. أعود إليه مرارًا، أتركه، ثم أرجع له بروحٍ أخرى، كأنني أكتبه في كل مرة من جديد.
أما عن نشر أول عمل لي، فلم أواجه صعوبة حقيقية.
الصعوبة كانت دائمًا في الكتابة ذاتها، في مواجهة ما أكتبه عن نفسي، لا في إخراجه إلى العالم.
8.هل هناك رسالة تسعين لتوصيلها من خلال كتاباتك؟ وكيف تتعاملين مع النقد؟
رسالتي بسيطة في ظاهرها، عميقة في أثرها:
كل ألم نمرّ به، وكل خذلان يطرق أبوابنا دون استئذان، ليس نهاية، بل تجربة ومرحلة وليست قدرًا دائمًا. أكتب هذه المراحل لأخلّدها، لا لأتغذّى على وجعها، بل لأتعلّم منها، حتى لا أعود لعيش الدرس نفسه مرّة أخرى.
أما النقد، فأنا لا أسمح له أن يعبث بعمق تجربتي. لا أتأثر إلا بنقدٍ يصدر عن ناقد محترف أو عقلٍ فلسفي قادر على قراءة النص من داخله لا من سطحه.
أمّا الأحكام العابرة، فلا مكان لها في عالمي؛ لأن ما يُكتب من الألم لا يُقيَّم بالانطباعات السريعة.
9.هل ترى أن الكاتب يجب أن يكون ناشطًا اجتماعيًا؟
بالنسبة لي ككاتبة، لست ناشطة اجتماعيًا.
أنا شخص منعزل تمامًا عن أماكن التجمعات، أجد في العزلة مع الكتب مساحة أكبر لأفكاري ومشاعري، ولأسمع صدى الكلمات في داخلي دون تشويش من العالم الخارجي. العزلة بالنسبة لي ليست عزلة عن الناس فحسب، بل هي ملاذ يتيح لي الغوص في نفسي، وفي النصوص التي تترجم صمتي وألمي وخذلاني إلى كلمات تُحكى وتُخلَّد.
10.ما رأيك في استخدام الذكاء الاصطناعي في الكتابة؟
أراه مجرّد أداة، تطبيق بلا إحساس، وآلية تعمل بلا روح. الذكاء الاصطناعي لا يعرف طعم الخذلان، ولا يشعر بثقل الصمت حين يتحوّل إلى وجع.
بينما الكتابة الحقيقية تولد من ارتجاف القلب، من الألم، من التجربة التي تعبر الجسد قبل أن تصل إلى الورق.
قد يساعد في الترتيب أو الاقتراح، لكنه لا يستطيع أن يكتب بدل الروح، لأن النص الذي لا يخرج من وجعٍ صادق يبقى مجرّد كلمات… بلا نبض.
11.ما حلمكِ ككاتبة؟
حلمي أن أصبح كاتبة على نطاق واسع، لا بحثًا عن الأضواء، بل لأنني أريد أن يُسمَع صدى صمتي، ويُفهم ألمي، وأن يجد القرّاء أنفسهم في كل ما أكتب. أحلم أن تصل كلماتي إلى من يحتاجها، إلى من يظن أن وجعه بلا صوت، فيكتشف أن هناك من كتبه قبله.
![]()
