الكاتبه المحبة لله
ها هي الأيام تمضي بنا، ومعها تقبل علينا بركات وفرحة تملأ ذاك المكان الذي ملأ شجنًا وأعباءً من الحياة. ولكن تمهلوا واحذروا؛ لأن ذلك الوقت يحمل معه ضيفًا عزيزًا وغاليًا لا يزورنا سوى مرة واحدة كل عام، ويتوجب علينا أن نحسن ضيافته ونكرمه. فكان منا أن نكترث له وألا نلهو بملذات الدنيا التي لها، ونحن لنا مستقرنا الذي فيه حياتنا السرمدية وبيتنا الذي نبنيه؛ حتى نأوي إليه ونحيا فيه حياة رغيدة غير مرهقة أو بها ذرة من الشقاء.
فهو الشهر الفضيل ذو النفحات والرحمات، يقدم معه الخير الوفير لمن اغتنمه ولم يضيّع وقته في مشاهدة مسلسلات أو أفلام وما شابه، تُعاد طوال السنة إلى أن يقبل مجددًا ضيفنا الكريم. أما بالنسبة لمن يحرص على ألا يفوّت لحظة منه دون أن يغتنمها وينهل منها، فإنه فطن ولم يجعل الشيطان يتلاعب به أو يلج إليه من باب: “إن الشهر طويل، وذلك المسلسل شيق وحصري، لا تفوّت الفرصة في متابعته”.
لكن هناك من يردف لذاته: “رمضان يقترب والقلب يرتقب”، يعي أن ما تنهكه نوب الحياة يصلحه التقرب إلى الله، خاصة في شهر رمضان المبارك وكل الشهور، ليس وحده؛ لأنه من يغفل عن ذكر الله يعش حياته أبد الدهر بين شقاء وعناء، لا ينعم بحياته وما فيها من نعم. فمن ضنكه لا يشعر بمدى النعم التي تحفه، غافلًا عمّن وهبه إياها، غارقًا في ملذات الدنيا ولهوها اللذَين لا يدومان، على العكس تمامًا بما هو دائم ولا ينقطع أو يزول.
العد التنازلي بدأ، وعلينا أن نهيئ أنفسنا لاستقبال الثلاثين يومًا بأفضل حال، دون أن نفكر في أي شيء يعيق حصادنا لخيرها والعتق من النيران؛ لأنها الغاية المبتغاة من رب العالمين: أن نرى وجه ربنا العظيم تبارك وتعالى، أن نكون مع خير خلق الله سيدنا محمد صلّى الله عليه وسلم في جنات النعيم، أن نسعد مع أحبائنا ممن سبقونا وكويت أفئدتنا بلهيب فراقهم وحزنت الأعين على رحيلهم، أن نقر أعيننا بأعمالنا الصالحة التي فعلناها في الدنيا وجنيناها بالآخرة.
لم ننسَ نصيبنا من الحياة، وبذات الحين لم نغفل عن مكاننا الذي يحتاج إلى تعب أيضًا ليكون أجمل وأفضل مما يجب، إلى أن نتذوق حلاوة الراحة التي كنا في بحث مستميت عنها.
![]()
