الكاتبه أمل سامح
هل نعرف قيمة ما نملكه حقا، أم لا نراه إلا حين يفلت من بين أيدينا؟ سؤال يطارد الإنسان منذ وجد، لأن البصيرة غالبا ما تتأخر عن اللحظة، وتصل بعد أن يغادر الشيء مكانه في القلب والحياة. فالجاحظ لا يصف حزنا عابرا، بل يكشف قانونا نفسيا يتكرر كل يوم؛ نحن نألف النعمة حتى تصير صامتة، ثم نبحث عن صوتها بعد الفقد.
حين يكون القرب دائما، يتبلد الإحساس، وتغدو التفاصيل عادية، فلا نمنحها التأمل ولا الامتنان. نؤجل الشكر، ونساوم الوقت، ونظن أن البقاء مضمون. لكن الغياب حين يقع، يضيء الذاكرة فجأة، فتتكشف الجماليات المخفية، ويصير الماضي أكثر صفاء مما كان.
ليس الإدراك المتأخر فضيلة، بل خسارة مزدوجة؛ نخسر الشيء، ونخسر لحظة الاحتفاء به. لذلك تدعونا المقولة إلى يقظة أخلاقية: أن نرى قبل الزوال، وأن نحب دون شرط الفقد، وأن نتعامل مع الحياة كضيف كريم لا كملك دائم. فالجمال لا يهرب، نحن الذين نتأخر عن رؤيته. وهذا الوعي المبكر لا يولد صدفة، بل يحتاج تمرينا يوميا على الانتباه، ومساءلة العادة، وصناعة دهشة صغيرة تحفظ للأشياء بريقها، قبل أن تتحول إلى ذكرى مؤلمة لا تعود. حين يغلق الندم أبواب التدارك المتأخر. في النهاية القاسية.
![]()
