الكاتبة عاليا عجيزة
تحت ظلال الهلال الذهبي المشرق، وفي ذلك الركن الهادئ الذي يفوح بعبق الطمأنينة، تبدأ حكاية الثلاثين ليلة من النور. رمضان ليس مجرد رقمٍ في التقويم، بل هو حالةٌ شعورية تقتحم الروح لتغسل عنها غبار العام وأوجاعه.
انظر إلى هذا المشهد البديع؛ تلك الطفلة التي تفيض براءتها خضوعًا بين يدي الله، تجلس أمام مصحفها كأنها تخاطب السماء في صمت. هي رسالة لنا جميعًا بأن السكينة لا تُشترى بالضجيج، بل تُستخلص من بين آيات الذكر الحكيم.
في رمضان، تترتب الأولويات وتصمت ضوضاء الدنيا ليعلو صوت القلب. نحن بحاجة لهذا الانعزال الروحي، لنرمم ما انكسر في دواخلنا، ولنعيد بناء جسور الوصل مع الخالق التي ربما أهملناها في زحام الحياة. كما تتدلى تلك الفوانيس والنجوم لتنير عتمة المكان، فإن كل آية نتلوها في هذا الشهر هي “فانوس” يضيء زاوية مظلمة في صدورنا.
إنها لحظات استثنائية، حيث يلتقي نور السماء مع نقاء الأرض، وحيث يصبح الوقت مباركًا، والأنفاس تسبيحًا، والنظرات تأملًا.
يا باغي الخير، أقبل، فهذا أوان القلوب التي أتعبها المسير لتستريح في رحاب الآيات. اجعل من مصحفك هذا العام رفيقًا لا يُهجر، ومن خلواتك مع الله جنةً لا يُمل منها. تذكر دائمًا أن العبرة ليست في كثرة ما نقرأ، بل في ذلك الأثر الذي يتركه القرآن في سلوكنا، في لين قلوبنا، وفي فيض رحمتنا بمن حولنا. رمضان هو فرصة العمر لنولد من جديد، لنكون أكثر نقاءً، وأعمق إيمانًا، وأقرب إلى ذواتنا الحقيقية التي تشتاق دومًا إلى خالقها.
فليكن هذا الشهر هو نقطة التحول، والمحطة التي نتزود منها بيقين لا يزعزعه شك، وبأمل لا يقطعه يأس.
يـا هـلالًا بـهـلالِ السـعـدِ يـبـتـسـمُ … نـورٌ عـلى الـروحِ والآفـاقِ يـرتـسـمُ
فـي وجـهِ طـفـلٍ يـذوقُ الـطـهـرَ في آيٍ … سـجـدتْ لـهـا الأرواحُ والـقـرطـاسُ والـقـلـمُ
أتـتْ بـراءةُ كـفٍّ نـحـو مُـصـحـفِـهـا … كـمـا أتـى الـغـيـثُ للأرضِ الـتي تَـهِـمُ
فـالـبـيـتُ أضـحـى بـنـورِ الـذكرِ مـمـلـكـةً … فـيـهـا الـسـكـيـنةُ والأفـراحُ تَـلـتـحـمُ
يـا قـارئَ الـقـرآنِ في جـنـحِ الـدجـى … طـوبـى لـقـلـبٍ بـهـديِ اللهِ يَـعـتـصـمُ
رمـضـانُ نـبـعٌ سـقـى الأرواحَ بـهـجـتـها … ومـنـارةٌ بـالـتـقـى فـي الـصـدرِ تَـحـتـدمُ..
![]()
