...
IMG 20260206 WA0052

 

الكاتب إسماعيل أبوزيد

 

ذهب حسن إلى صديقه محمود رمضان، العائد من السفر، فمحمود صديقه الصدوق. جلسا يستفيضان في الحديث، وبعد برهة قال له محمود:

— أتريد أن أهديك شيئًا من أمور الغيب؟

نظر إليه حسن مندهشًا وقال: — نعم، وما هو؟

قال محمود: — أتعلم أن لزوم الصلاة على النبي ﷺ سبب من أسباب ذهاب الغم والهم، بعد الأخذ بأسباب الدنيا طبعًا؟

تعجّب حسن، وصلى على النبي ﷺ، ثم سأله: — وكيف ذلك؟

تنهد محمود، وكأن ذاكرته تُفتح على باب قديم، وقال: — حين كانت الهموم تُنغّص قلبي، والمخاوف تتكالب في رأسي كجيوش من النمل الزاحف، وفقني الله وهداني إلى أن أُلزم نفسي بالصلاة على النبي ﷺ طوال فترة خوفي وبلائي.

صمت لحظة، ثم تابع: — صار منهجي قبل أن أنام كل ليلة، بعد أن أردد أذكار النوم، أن أظل أصلي على النبي ﷺ حتى أغفو. أفعل ذلك، وأأخذ بأسباب الدنيا، ولم أكن أُجرّب… بل أوقن. علمت أن من الهم قلبي أن لزوم الصلاة عليه كل ليلة سيكون باب نصر وفرح، وذهاب للغمة.

ظللت على هذا الحال قرابة ستة أشهر، حتى أتى الفرج، وانتصر الله لي على من كانوا يكيدون لي، وانكشفت الغمة بفضل الله ثم ببركة لزوم الصلاة على النبي ﷺ.

وعزمت يومها أن أذهب من بلدة عملي إلى مسجد رسول الله ﷺ لأشكره، عرفانًا ومحبة وتقديرًا وإجلالًا. أعددت عدة السفر بسيارتي، وانطلقت منفردًا قاصدًا المدينة المنورة. قدت قرابة سبعمائة كيلومتر ذهابًا، ومثلها إيابًا، حبًا وشكرًا وامتنانًا لحبيبي الذي لم يخذلني، والذي ألهمني الله التبرك بالصلاة عليه لينقذني.

كنت – بحسابات الدنيا – هالكًا لا محالة، لكن بفضل الله ورسوله انكشفت الغمة، وذهبت الظلمة.

وطوال الطريق، كنت أردد مع المذياع:

رسولَ الله…

طالَ بيَ الحنينُ،

وأرقَ مهجتي الشوقُ الدفينُ،

مدحتُك لا نفاقًا أو رياءً،

وفيمن يمدحونك من أكونُ.

 

وصلت المسجد النبوي، ولحقت بصلاة المغرب جماعة. ظللت أسلّم على النبي ﷺ في سجودي، وأثني عليه وأشكره، حتى انتهت الصلاة. ثم قمت لأصلي ركعتي السنة، فأكثرت من الدعاء في السجود، امتناني يسبق لساني، ودموعي تفيض شوقًا… لا أصدق أنني وصلت، وأنني أصلي عند الحبيب.

انتهيت من صلاتي، وترجلت ماشيًا إلى قبر الحبيب، بجوار روضته الشريفة. وما إن وقفت أمام القبر، حتى سلّمت:

السلام عليك يا حبيبي يا رسول الله…

طال بي الحنين.

بفضل الصلاة عليك انكشفت الغمة، وذهب الهم.

كنتَ معي ستة أشهر وأنا أتلو الصلاة عليك،

وأردت اليوم أن أكون أنا معك،

عرفانًا وإجلالًا لمقامك الرفيع.

يا خير خلق الله، يا رحمةً أرسلها الله للعالمين.

أشهد أنك بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، وكشف الله بك الغمة.

طبت حيًا وميتًا يا رسول الله.

أسأل الله أن يجمعني بك في جنات الخلد، وأن أنعم بالنظر إلى وجهك الكريم.

 

أيقن محمود رمضان أن الصلاة على النبي ليست حروفًا تُقال، بل بابًا يُفتح، وأن من طرقه بصدق، لا يعود كما كان وعلم صديقه ذلك.

 

وابتسم حسن، ونهض مودّعًا صديقه، وهو يردد في سره: اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد…

وعرف يقينًا أن بعض الهدايا لا تُمسك باليد،

بل تُسكن القلب… وتغيّر الطريق.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *