...
IMG 20260428 WA0222

 

الكاتبة عاليا عجيزة

 

حيث تتنفس الروح

على حافة الجبل، حيث تلامس قمم الأشجار أذيال الغيوم، قررت “إلين” أن تقيم مأدبةً للوحدة. لم تكن تبحث عن صخب، بل عن ذلك النوع من الضجيج الذي تحدثه الطبيعة في القلوب المتعبة؛ وشوشة الريح، ورائحة العشب المبلل، وصمت الجبال التي تقف كحراسٍ أبديين للزمان.

وصلت “إلين” بدراجتها البيضاء، التي كانت تبدو كحمامة استقرت وسط بستان من الصخور المغطاة بالطحالب. سلة الزهور المثبتة على المقود لم تكن لمجرد الزينة، بل كانت حصادًا لرحلتها عبر المروج؛ زهورٌ برية ملونة تشبه أفكارها المبعثرة، كل لون يحكي قصة، وكل بتلة تخفي دمعة أو ابتسامة.

فرشت بساطها المقلم على الأرض غير المستوية، وكأنها ترسم حدودًا لمملكتها الصغيرة الخاصة. هنا، لا توجد ساعات حائط، ولا منبهات تزعج الطمأنينة.

الزمان هنا يُقاس ببرودة الشاي في الأكواب الخزفية، وبذوبان شمعة وضعت داخل مرطبان زجاجي، وكأنها تحاول مضاهاة نور الشمس المنعكس على القمم البعيدة.

وضعت “إلين” كوبين من الشاي، رغم أنها كانت وحيدة. في الرومانسية، نحن لا نشرب الشاي وحدنا أبدًا؛ هناك دائمًا “غائبٌ” يجلس في المقابل، طيفٌ نحاوره في صمتنا، ونهديه بخار الشاي المتصاعد. الكرواسون الطازج، الكتب المتراكمة فوق بعضها، والنظارة الطبية التي استقرت فوق غلاف جلدي قديم.. كل هذه التفاصيل لم تكن مجرد أشياء، بل كانت أدوات لاستحضار الحياة.

فتحت أحد الكتب، لكنها لم تقرأ، فالطبيعة حولها كانت الكتاب الأضخم. الجبال التي تظهر في الأفق لم تكن مجرد كتل صخرية، بل كانت تذكيرًا بأن المشاكل الإنسانية، مهما عظمت، تتضاءل أمام عظمة هذا الكون. النور الذي يتسلل من بين قمم الجبال كان يبدو كأملٍ متجدد، يخبرنا أن الضوء يجد دائمًا طريقًا للعبور، مهما كانت التضاريس قاسية.

تأملت قبعتها القشية الملقاة جانبًا. تذكرت كيف كانت تظن أن السعادة تكمن في الأشياء الكبيرة، في الصراعات العظيمة والانتصارات المدوية. لكنها الآن، وهي تجلس وسط هذا الهدوء، أدركت أن السعادة هي “لحظة توازن”. هي أن تشعر بحرارة الشاي في يدك، بينما الهواء البارد يلفح وجهك. هي أن تقرأ سطرًا في كتاب، ثم ترفعه لتنظر إلى الأفق، وتكتمل الفكرة في رأسك.

“لماذا نهرب دائمًا؟” همست لنفسها. ربما لأننا نخاف من مواجهة صمتنا. لكن هنا، الصمت ليس مخيفًا، بل هو “حضنٌ” واسع. الجبال لا تعاتب، والأشجار لا تسأل عن الماضي، والزهور لا تطلب شيئًا سوى أن تُرى. في هذه النزهة، لم تكن “إلين” تأكل أو تشرب فقط، بل كانت تتصالح مع وجودها.

مع اقتراب الغروب، بدأت ألوان الجبال تتبدل من الأخضر الزاهي إلى الأزرق الغامق، ثم الأرجواني. الشمعة الصغيرة في المرطبان بدأت تأخذ دورها الحقيقي، تضيء المساحة الصغيرة حول البساط بوهجٍ دافئ. جمعت “إلين” أغراضها ببطء، وكأنها تودع صديقًا عزيزًا.

ركبت دراجتها، تاركةً خلفها قطعة من روحها في ذلك المكان. لم تعد “إلين” التي صعدت الجبل هي نفسها التي نزلت منه. لقد حملت معها شيئًا من صلابة القمم، ومن ليونة الزهور، ومن عمق الكتب.

إن متجر “كرانفيل كوينسي” الذي زرناه في النص السابق قد يبيع “أدوات السحر”، لكن السحر الحقيقي يكمن في هذه اللحظات العفوية تحت السماء المفتوحة. الحب هنا ليس أسودًا، بل هو حبٌ للحياة، للنفس، وللتفاصيل الصغيرة التي تجعل العيش ممكنًا.

قد يعود المرء إلى زحام المدينة، وإلى الأزقة المظلمة، لكنه يحمل في داخله “نزهة” لا تنتهي، وصورة لجبلٍ بعيد، ودراجة بيضاء محملة بالزهور، تذكره دائمًا بأن الجمال متاحٌ لمن يجرؤ على البحث عنه في صمت الطبيعة.

 

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *