الكاتبه إيمان شلاش
كانت تجلس على طاولتها المليئة بحبات الخرز اللامعة، التي تصنع منها حقائب بمهارات يدوية متميزة بها، عندما وصلتها رسالة من رقم مجهول.
فتحت جوالها ودخلت إلى المحادثة. تميّزت صورة البروفايل، لأنها تحب التفاصيل؛ صورة لفتاة تقف على البحر، ترتدي فستانًا أزرق. وانتقلت للرد بعد أن دقّقت بمعلومات الرقم.
الرقم المجهول: مرحبًا
مها: أهلًا، من؟
الرقم المجهول: أريد أن أحجز حقيبة من عندك.
مها: أرسلي لي عنوانك وتفاصيل الحقيبة التي تريدينها، وستكون جاهزة خلال أسبوع.
الرقم المجهول: أريدها حقيبة بخرز بنفسجي لامع، فأنا أعشق هذا اللون، وأريدها دائرية الشكل وأطرافها بيضاء.
عندما قرأت مها هذه الرسالة، تذكّرت شيئًا…
شيئًا قديمًا، لكنه لم يُمحَ. هي أيضًا تحب اللون البنفسجي؛ هذا اللون الذي اجتمعت على حبه هي وحبيبها السابق، الذي غادرها بلا أسباب،
بلا وداع…
بلا أعذار…
وتلك التفاصيل البيضاء التي اختارها الرقم المجهول، هي ذاتها التفاصيل التي اقترحها على مها ذات مرة، وقال:
“اجعلي حقائبك تتكلم عن شخصيتك، وضعي لونًا من روحك داخلها، وليكن لونًا ثابتًا في كل الحقائب.”
فاختاروا اللون الأبيض لونًا ثابتًا، ورمزًا خاصًا بحقائبها.
فأجابت مها: وإلى أين أرسلها؟
الرقم المجهول: إلى شاطئ البحر، عند الحديقة القريبة من مقهى فيروز.
تعجّبت مها عندما رأت هذا الكم من الذكريات يجتمع في محادثة مع رقم غريب.
ذلك المكان… تلك الحديقة… هي حديقتهم التي لطالما التقوا بها، وعاشوا أجمل تفاصيل عشقهم بين أشجارها.
أيعقل أن يكون هو؟
أيعقل أنه عاد؟ وأراد أن يفاجئها؟ ويلتقي بها في ذات المكان؟
اللون البنفسجي،
والخيوط البيضاء،
والحديقة…
كل هذه رموز خفية بينهم، لا يفهمها أحد سواهم.
فرحت مها كثيرًا، فقد شعرت أن هذا الرقم المجهول هو أكثر رقم غير مجهول.
أجابت مها بلهفة: سأنهي صناعتها خلال يومين، وسنلتقي بعد يومين في تلك الحديقة.
سهرت مها يومين متواصلين حتى استطاعت إنهاءها بهذه السرعة، لكنها لم تشعر بالتعب؛ فأملها بلقائه جعلها لا تفكر إلا باللقاء.
وعندما جاءت ساعة التسليم، جهّزت مها نفسها، وارتدت أجمل ما لديها، ووضعت من عطرها المفضل.
هي الآن لن تذهب للقاء زبونة، بل للقاء حبيبها الذي قرر العودة بعد كل هذا الوقت.
هو عائد بلا تبرير… لكن لا يهم، المهم أنه عاد.
ذهبت قبل موعد التسليم بساعة، وجلست في الحديقة تفكر بذكرياتهم، وأحاديثهم، وصوت ضحكاتهم التي كانت تملأ المكان بلا توقف.
مضى الوقت سريعًا بين تذكّر وابتسامات خفية.
نظرت إلى ساعتها… ها هو الوقت قد حان. أخرجت علبة عطرها، ووضعت القليل منه.
وبينما هي شاردة، تفكر كيف سيأتي ويحتضنها،
قاطع شرودها صوت فتاة ترتدي فستانًا أزرق:
“مرحبًا، هل أنتِ صانعة الحقائب؟”
وقعت هذه الكلمات كالرصاص على قلبها، فكسرته، وحطّمت حلمها وأملها.
تلبكت مها، وأعطت الحقيبة، وأخذت المال.
فرحلت الفتاة، وتركت خلفها مها مصدومة، مكسورة بخيبة أملها.
أحيانًا يكون كل شيء واضحًا وصريحًا، لكننا نحن من نلبسه رداء الشك، كي نعيش أحلامًا جميلة نريدها، حتى لو كانت مزيفة وعابرة.
![]()
