الكاتبة عاليا عجيزة
في قلب صحراءٍ لا تعرف الانتهاء، حيث الرمال تموج كبحرٍ من الذهب الراكد تحت عباءة الليل، لم يكن هناك صمتٌ عادي، بل كان صمتاً يهمس بأسرار العصور. وسط هذا السكون المهيب، استلقى كتابٌ ضخم، ليس كأي كتابٍ عرفته الرفوف الخشبية؛ كان كتاباً انشقت صفحاته عن عالمٍ كامل، وكأن الحبر قرر أخيراً أن يكسر قيده ويتحول إلى حجرٍ وشجرٍ وضياء.
عندما تقع عيناك على الصفحات المفتوحة، لا ترى مجرد كلمات، بل ترى مدناً وقلاعاً تنبت من الورق كما تنبت النخلة من النواة. كانت القباب تتسامى بوقار، والمآذن تعانق سماءً مخملية يطرزها قمرٌ كامل الاستدارة، يسكب فضته على الجسور المعلقة والدروب الضيقة. لم تكن مجرد مدينة من جماد، بل كانت تنبض بحياةٍ خفية؛ فالفوانيس البرتقالية المعلقة على الشرفات العتيقة كانت توحي بأن هناك من استيقظ لتوه ليشعل سراج الأمل، وأن خلف تلك النوافذ المضاءة حكاياتٍ لم تكتمل بعد.
بين دفتي الكتاب، كانت الطبيعة ترفض أن تظل حبراً على ورق. نبتت شجيراتٌ خضراء يانعة من حواف الصفحات، وتسلقت لبلاباتٌ صغيرة الهوامش، وكأنها جسرٌ أخضر يربط بين واقع الصحراء القاحلة وخيال المدينة الغارقة في السحر. كان الضباب يزحف من ثنايا الورق ليملاً الوديان المرسومة، ويخلق حالة من الغموض الجميل، حيث تتوارى الجبال خلف غلالة رقيقة من الأحلام.
هذا المشهد ليس مجرد لوحة، بل هو تجسيد لتلك اللحظة التي يغرق فيها القارئ في نصٍ عظيم؛ حين يختفي العالم الحقيقي من حوله، وتصبح الرائحة الوحيدة هي رائحة الورق القديم الممزوجة بعبق البخور المنبعث من خيال الكاتب. إنها دعوة للهروب إلى الداخل، حيث المدن لا تسقط، والضوء لا ينطفئ، والجمال يظل محبوساً في أمانٍ بين دفتي كتاب، ينتظر فقط من يفتحه ليعيد إحياءه من جديد.
في تلك الليلة، لم يكن القمر هو المصدر الوحيد للنور، بل كانت تلك الكلمات التي تجسدت واقعاً هي التي أضاءت عتمة الروح، وأثبتت أن الخيال هو الوطن الوحيد الذي لا يحتاج إلى جواز سفر، بل إلى قلبٍ يجرؤ على القراءة.
![]()
